مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ٢٠٢
قوله تعالى : (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً).
بيان لبعض مصاديق محاربة الله ورسوله التي تقدّم معناها ، والفساد ضدّ الصلاح ، ومن عمل شيئا كان سببا للفساد يقال : إنّه أفسده ، والسعي فسادا ، أي الإفساد في الأرض ، وهو ما كان سببا للإخلال بالنظام العامّ وإزالة الأمن والأمان ، فيدخل فيه قطع الطرق وقتل الناس ظلما وغير ذلك ممّا ذكره الفقهاء في المقام ، ويرجع كلّ ذلك إلى عدم الإذعان بدين الله تعالى وتضييع الحقوق ، فيتلازم الوصفان ، ومن ذلك يعرف أنّه لا يكفي مجرّد المحاربة مع المسلمين إذا لم نرجع إلى ما ذكر. ويدلّ عليه أنّ الرسول ٦ لم ينفّذ في المحاربين من الكفّار بعد الظهور عليهم والظفر بهم حدّ المحارب عليهم ، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى : (أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ).
بيان لحدّ المحاربة وجزائه. والجملة خبر المبتدأ في قوله تعالى : (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ). والتقتيل والتصليب والتقطيع ، تفعيل من القتل والصلب والقطع ، الدالّة على زيادة في المعنى المجرّد. ولعلّها إما لأجل الزيادة على القصاص ، لأنّه حدّ شرعيّ وحقّ إلهيّ ، لا يسقط بعفو الولي ، أو لأجل التكثير والمبالغة في القتل باعتبار الأفراد ، لأنّهم سعوا في الأرض فسادا ، والصلب قتلة مؤذية ، والكلمة مشتقّة من الصلب (بالتحريك). والصليب بمعنى الودك (الدهن) أو الصديد الذي يخرج من بدن الميت. والهيئة التي تشبه المصلوب تسمّى صليبا.
وقطع الأيدي والأرجل من خلاف ، أي : تقطع مختلفة ، بمعنى إذا قطعت اليد اليمنى تقطع الرجل اليسرى. وصيغة التفعيل في هذا النوع أظهر. والمراد بقطعها ، قطع بعضها دون الجميع ، أي : إحدى اليدين وإحدى الرجلين مع مراعاة الاختلاف في الجانب.
وأما النفي من الأرض ، فهو بمعنى الطرد من البلد إلى بلد آخر ، وهو مضافا إلى أنّه عقاب ظاهرا ، هو عملية إصلاحية تأديبيّة. وقيل : إنّ المراد بالنفي هو