رحلة ريج - كلوديوس جيمس ريج - الصفحة ٢٩٢ - كآبة الباشا وحزنه ـ نجله الأكبر يرسل رهينة إلى كرمنشاه ـ مرض نجله الأصغر ـ فتنة بين أفراد عائلته ـ أحمد بك الداره شماني ـ عشائر راوندوز ـ مراسيم الجنازة عند الكرد ـ العائلة البابانية ـ شجرة الأمراء البابانيين ـ موت ابن الباشا الصغير بالجدري ـ تأثر الباشا ـ سليمان بك ـ تجارة السليمانية ـ الحديث مع عثمان بك ـ رغبة الباشا في التنازل عن منصبه ـ عمر آغا ـ ذكاؤه ودقته ـ المقارنة بين الكرد والأتراك والإيرانيين ـ لقمان ـ زيارة لوداع الباشا ـ محادثات دينية ـ عثمان بك يستدعى لتسنم منصبه ـ رفضه الامتثال ـ ميزات الخلق الكردي هروب خالد الدرويش الكبير ـ زيارة الباشا الأخيرة إلى المستر ريج ـ حديث شيق ـ حزن الباشا لفقده ولده ـ خلقه ـ التهيؤ للرحيل من كردستان ـ الحزن على فراق أهل كردستان
رسم القرويون خريطة التيرول الجميلة. وإني أتعهد بتعليم عمر آغا بعد بضعة دروس كيفية استعمال المزولة وكيفية رسم مخططات الميدان. ولم تخطر لي هذه الفكرة من قبل مع الأسف إذ كان في الوقت مجال متسع لي لأقوم بذلك في السليمانية قبل مغادرتي لها إلى (أحمد كلوان). وكان في إمكاني وأنا في سياحتي التي تلت مكوثي فيها أن أدعه يتمرن على رسم المخططات تحت إشرافي. إن الفوائد التي يجنيها العلم من رجل قوي الملاحظة يجوب مجاهل هذه البلاد التي تسترعي الاهتمام لا شك إنها عظيمة جدّا ، وقد يستطيع بدوره أن يعلّم غيره فينشر العلم والمعرفة.
وأرى بوجه عام ، إن الكرد شغوفون جدّا باستقصاء المعلومات ولكنهم قليلو الاعتداد بأنفسهم مهملون لشأنهم ، وإنهم أسهل تعليما من الأتراك ، بل أعتقد أنهم أسهل تعليما من الإيرانيين أيضا ، إذ إن هنالك بعض الأمور التي يستطيع الإيراني أن يقتبسها بسهولة ، إلا في مجال الأدب والعلم لأنه يحسب نفسه متفوقا على الأمم الأخرى فيها تفوقا عظيما. والتركي يعتقد الاعتقاد الراسخ بتفوقه في جميع الأمور وهو يزدري ازدراء مرا بكل أمر يدركه أو يفهمه. إن «سنونوا واحدا لا يأتي لنا بالصيف» [١]. فرجل أو رجلان في أمة متعطشة إلى العلم والرقي ليسا إلا من الشواذ في كيانها العام. وهكذا فالعزم الطبيعي للفكر البشري وحيويته ، يخترق أحيانا الحجاب الذي يقيمه أمامه التعجرف والتعصب ، وهناك القليل حتى من بين أكثر الأقوام والأمم وحشية من لا تستطيع أن تنجب في مختلف أدوار تاريخها رجلا يسبق عصره وبلاده. لقد كان كتاب (جهان نما) أو (جغرافية الحاج خليفة) ، سفرا جليلا جدّا في حينه ، وكان يضم كل المعلومات الجغرافية التي يجدها المرء في الكتب الأوروبية في ذلك العهد ، وكان الحاج خليفة رجلا مثقفا منورا بالنسبة
[١] ضرب مثلا إنكليزيّا ، يقابله من الأمثال البغدادية : «يد واحدة لا تصفق» ـ المترجم.