رحلة ريج - كلوديوس جيمس ريج - الصفحة ٢٨٨ - كآبة الباشا وحزنه ـ نجله الأكبر يرسل رهينة إلى كرمنشاه ـ مرض نجله الأصغر ـ فتنة بين أفراد عائلته ـ أحمد بك الداره شماني ـ عشائر راوندوز ـ مراسيم الجنازة عند الكرد ـ العائلة البابانية ـ شجرة الأمراء البابانيين ـ موت ابن الباشا الصغير بالجدري ـ تأثر الباشا ـ سليمان بك ـ تجارة السليمانية ـ الحديث مع عثمان بك ـ رغبة الباشا في التنازل عن منصبه ـ عمر آغا ـ ذكاؤه ودقته ـ المقارنة بين الكرد والأتراك والإيرانيين ـ لقمان ـ زيارة لوداع الباشا ـ محادثات دينية ـ عثمان بك يستدعى لتسنم منصبه ـ رفضه الامتثال ـ ميزات الخلق الكردي هروب خالد الدرويش الكبير ـ زيارة الباشا الأخيرة إلى المستر ريج ـ حديث شيق ـ حزن الباشا لفقده ولده ـ خلقه ـ التهيؤ للرحيل من كردستان ـ الحزن على فراق أهل كردستان
كنت قد عزمت على السياحة في شهرزور ، لمشاهدة تلك المنطقة من البلاد وهي أهم مناطق كردستان من الناحية الأثرية إلا أنني أجلت السياحة على أثر مرض نجل الباشا ، وقد تحسس لذلك كثيرا ، أما الآن وقد مر الزمن وبطؤ علينا الأمر فيجب أن نتهيأ للسفر إلى الموصل.
١٤ تشرين الأول :
ذهبت اليوم لأعزي الباشا. وكان ذلك واجبا صعبا بقدر ما كان ضروريّا وديّا وقد بدا لي بجلاء أن قلبه كاد يتفطر على الرغم من تجلده ومحاولته إخفاء ما يعانيه بكل رجولة. وقد صعب علي جدّا أن لا أشاطره أحزانه ، أو أن لا أشعر برهة كأنني فقدت ولدي. لم أر مطلقا فاضلا فياض الشعور والإحساس في أي بلد كالباشا ، إنه يحب زوجته وأولاده حبّا جمّا لا يضاهيه في ذلك إلا أحسن الرجال في أوروبا. وقد بدا عليه نوع من الذهول المخيف اعتراه بغتة فودعته وروحي مثقلة بالأحزان.
ذهبت لزيارة عثمان بك ، فوجدته جالسا في جوسقه الذي لم يتم بناؤه بعد ، وهو يتمتم بالصلوات ويسبّح بمسبحة ، وعلائم الجد تعلو محياه. ومن الجلي أن بعض الأمور كانت تشغل باله ، لكنها لم تكن كلها محزنة. كلمني عن كمنجة كنت أهديتها له قبل مدة ، ورجاني أن لا أنسى شراء الأوتار له. إن ثمة فرقا كبيرا بينه وبين الباشا.
ذهبت بعد الظهر لتعزية سليمان بك ، فوجدته متأثرا تأثرا لا يقل عن تأثر الباشا وإن ظهر أهدأ منه وأكثر جلدا فقدرته تقديرا زائدا على إحساسه ، وهو في الحقيقة فتى يستحق الاحترام إلا أن رزانته لا تتناسب مع عمره ، وهو متعلق كثيرا برجال الدين والدراويش وليس في تعلقه هذا مسحة من التقشف أو التعصب ، وهو يشبه في سيماه المرحوم عبد الرحمن باشا أكثر من شبهه بأخويه ، إذ إنّه أطول منهما وأكثر بدانة وعيناه الزرقاوان الجميلتان تعكسان على ملامحه صور الكرامة المطمئنة.