الأزمنة والأنواء - إبن أجدابي - الصفحة ٩٥ - باب ذكر أزمنة السنة وفصولها وأوقات دخولها
ومن العرب من يقسم السنة نصفين ، شتاء وصيفا. ويبدأ بالشتاء فيجعله أوّل القسمين ، لأنه ذكر ، ويثنّي بالصيف ، لأنه أنثى. وإنما يجعل الشتاء [١] ذكرا لمّا فيه من الأمطار [٢] التي بها يخرج النبات وتحمل الأشجار [٣]. ثم يقسم الشتاء على ثلاثة ، والصيف على ثلاثة. فتكون السنة كلّها ستة أزمنة ، ثلاثة للشتاء وثلاثة للصيف. ويسمّى كلّ زمن باسم الغيث الواقع فيه ، فأوّل أزمنة الشتاء الثلاثة الوسميّ ، ثم الشتاء ، ثم الربيع ، وكلّها شتاء. وأوّل أزمنة الصيف الثلاثة الصّيّف ، مشدّد الياء ، ثم الحميم ، ثم الخريف ، وكلّها صيف.
وهذا المذهب هو الذي ذكره مالك بن أنس [٤] ; في كتاب النجوم المرويّ عنه. ورواه غير واحد من الرواة عن العرب. إلّا أنّ بعضهم يقول في أزمنة الشتاء : الوسميّ ، ثم الشتويّ ، ثم الدّفئيّ ، ولا يذكر الربيع.
فأمّا أوقات هذه الأزمنة السّتّة فإنها محدودة عندهم فيما ذكر مالك ، ; ، بسقوط المنازل وطلوعها. فلكلّ زمن منها أربع منازل وثلثان. ومدّة ذلك ستون يوما وثلثا يوم. وهم يعتدّون في أزمنة الشتاء بالسقوط ، وفي أزمنة الصيف بالطلوع. فصار حسابهم لأجل ذلك بالمنازل الشامية خاصة ساقطة وطالعة.
[١] في الأصل المخطوط : الشتى ، وهو غلط.
[٢] في الأصل المخطوط : الانتظار ، وهو تصحيف.
[٣] قال ابن قتيبة في علة تأنيث الصيف : «لأن النبات يكون فيه» الأنواء ١٠٤ ، ونقل المرزوقي قول أبي حنيفة الدينوري في ذلك : «ولم يذكروا علة تذكير الشتاء وتأنيث الصيف. ولا أظنه إلا لقسوة الشتاء وشدته ، ولين الصيف وهونه. ألا ترى أن من عادتهم أن يذكروا كل صعب من الأمور قاس شديد ...» الأزمنة ١ / ١٦٨ / ١٦٩. ثم عقب المرزوقي على ذلك : «الذي قاله أبو حنيفة في ذلك حسن. وأقرب منه أن يقال : لما كان إدراك الثمار في الربيعين ، ووضع الاحمال من الملاقيح ونتائج الخير في أصناف المعاش من الزرع والضرع في الصيف ، وإن كان مباديها في أوائل الشتاء. ثم تمت حالا ، فكانت تنتظر في آجالها وقتا بعد وقت انتظار ما في بطون الحاملات ، فجعلوا الشتاء ذكرا ، والصيف أنثى» الأزمنة ١ / ١٦٩.
[٤] هو الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري ، إمام المدينة وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة (١٧٩). ترجمته في الفهرست ١٩٨ ـ ١٩٩ والديباج المذهب ١١ ـ ٣٠ ، ووفيات الأعيان ١ / ٥٥٥ ـ ٥٥٧ ، وتذكرة الحفاظ ١ / ١٩٣ ـ ١٩٨.