الأزمنة والأنواء - إبن أجدابي - الصفحة ٨ - الأنواء عند العرب في الجاهلية
وقد بين أبو عثمان الجاحظ هذه الحاجة في كتاب الحيوان ، وأجاد في بيانها. قال : «ومن هذه الجهة [١] عرفوا الآثار في الأرض والرمل ، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء. لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس ـ حيث لا أمارة ، ولا هادي ، مع حاجته إلى بعد الشقة ـ مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤديه. ولحاجته إلى الغيث ، وفراره من الجدب ، وضنه بالحياة ، اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث. ولأنه في كل حال يرى السماء ، وما يجري فيها من كوكب ، ويرى التعاقب بينها ، والنجوم الثوابت ، وما يسير منها مجتمعا ، وما يسير منها فاردا ، وما يكون منها راجعا ومستقيما» [٢].
وكل ذلك دفع العرب ، منذ القديم ، أن يرجعوا البصر في السماء ، وينظروا فيها إلى النجوم ، ويرقبوا الشمس والقمر ، ليعلموا علم حركاتها ، ومواقع طلوعها وغروبها. فعرفوا من ذلك ، على مر الزمن ، أمورا كثيرة ، وربطوا بينها وبين حوادث الطبيعة ، وجعلوها مواقيت لها. حتى أنهم نظموا لحركة القمر وسيره في السماء منازل معروفة محدودة ، يجري القمر بينها في نظام معروف محدود. وراحوا ينسبون حوادث الطبيعة إلى طلوع هذه المنازل وغروبها وقت الفجر [٣]. وعرفوا أيضا عددا وافرا من الكواكب الثابتة مع مطالعها ومغاربها. وجعلوا لها أشكالا وصورا. وسموها بأسماء خاصة ترد كثيرا في أشعارهم وأسجاعهم ، مثل الثريا والشعرى وسهيل والدبران والعيوق والفرقدين والسماكين وكشفوا أيضا أمر الكواكب السيارة ، وميزوها عن الكواكب الثابتة. وبذلك نشأ عندهم علم الأنواء والأزمنة.
[١] أي جهة الحاجة.
[٢] كتاب الحيوان ٦ / ٣٠. وانظر الآثار الباقية للبيروني ٣٣٢.
[٣] كتاب الأنواء لابن قتيبة ٧.