هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين - الرازي النجفي الاصفهاني، محمد تقي - الصفحة ٥٤٧ - الشكّ في التكليف ، أدلّة القائلين بالبراءة
ثمّ أقول : الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الامور في ثلاثة : «أمر بيّن رشده ، وأمر بيّن غيّه ، وشبهات بين ذلك» [١]. وحديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» [٢] ونظائرهما أخرج كلّ واقعة لم يكن حكمها بيّنا عن البراءة الأصليّة وأوجب التوقّف فيها ثمّ استشهد بكلام بعض العامّة قال :
ثمّ أقول : الاشتباه قد يكون في وجوب فعل وجودي وعدم وجوبه مثلا ، وقد يكون في حرمة فعل وجودي وعدم حرمته مثلا ، وقد جرت عادة العامّة وعادة المتأخّرين من علماء الخاصّة بالتمسّك بالبراءة الأصلية في المقامين ، ولمّا أبطلنا جواز التمسّك بها ـ لعلمنا بأنّه تعالى أكمل لنا ديننا ، ولعلمنا بأنّ كلّ واقعة تحتاج إليها الامّة إلى يوم القيامة أو تخاصم فيها اثنان ورد فيها خطاب قطعي من الله تعالى خال عن معارض ، ولعلمنا بأنّ كلّ ما جاء به نبيّنا ٦وسلم مخزون عند العترة الطاهرة ، ولعلمنا بأنّهم : لم يرخّصوا في التمسّك بالبراءة الأصليّة في ما لم نعلم الحكم الّذي ورد فيه بعينه ، بل أوجبوا التوقّف في كلّ ما لم نعلم حكمه بعينه وأوجبوا الاحتياط في بعض صوره ـ فعلينا أن نبيّن ما يجب أن يعمل به في المقامين ، وسنحقّقه بما لا مزيد عليه في الفصل الثامن ، وقد ذكر هناك وجوب الاحتياط بالفعل فيما إذا ورد نصّ صحيح صريح في كون الفعل مطلوبا غير صريح في وجوبه وندبه إذا كان ظاهرا في الوجوب ، وكذا لو كان تساوى الاحتمالين ، ولو كان ظاهرا في الندبيّة بنى فيه على جواز الترك ، وكذا فيما إذا بلغنا حديث ضعيف دالّ على وجوب شيء.
واحتجّ عليه بقوله صلوات الله عليه : «ما حجب الله علمه عن العباد موضوع عنهم» [٣] وقوله ٦وسلم : رفع القلم عن تسعة أشياء [٤] من جملتها ما لا يعلمون ، قال : فنحن معذورون ما دمنا متفحّصين ، وخرج عن تحتهما كلّ فعل وجودي لم
[١] وسائل الشيعة : ج ١٨ باب ١٢ من أبواب صفات القاضي ص ١١٤ ح ٩.
[٢] وسائل الشيعة : ج ١٨ باب ١٢ من أبواب صفات القاضي ص ١٢٢ ح ٣٨.
[٣] وسائل الشيعة : ج ١٨ باب ١٢ من أبواب صفات القاضي ص ١١٩ ح ٢٨.
[٤] وسائل الشيعة : ج ١١ باب ٥٦ من أبواب جهاد النفس ص ٢٩٥ ح ١ ، وفيه رفع عن امتي.