هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين - الرازي النجفي الاصفهاني، محمد تقي - الصفحة ٥٢٦ - في التحسين والتقبيح العقليّين
الخامس : أنّه لو كان الحسن والقبح شرعيّين لاستوى نسبة الأفعال بالنظر إلى الأمر والنهي ، فكان ترجيح الشارع بعضها بالأمر وبعضها بالنهي ـ البالغين حدّ المنع من خلافه وعدمه ـ ترجيحا من غير مرجّح ، وفساد التالي مع ظهوره سيبيّن في محلّه.
ويمكن الإيراد عليه : بأنّه لا ينحصر المرجّح في المقام في خصوص حسنها وقبحها بالمعنى المتنازع فيه ، فقد يكون امورا اخر كموافقة المصلحة ومخالفتها وموافقة الطبع ومخالفته ، حيث إنّ التكليف يناسب أن يكون بإيجاد المخالف وترك الملائم ، مضافا إلى أنّ الأشعري يجوّز الترجيح بلا مرجّح ، فلا يتمّ الاستدلال على مذهبه ، إلّا أنّ ذلك لا يدفع الاحتجاج لإثباتهم المقدّمة المذكورة في محلّه.
وأمّا الحجج النقليّة الدالّة على ذلك من الكتاب والسنّة فكثيرة جدّا.
فمن الأوّل قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ)[١] فيدلّ على أنّ هناك فحشاء ومنكرا مع قطع النظر عن تعلّق النهي منه سبحانه بهما لا أنّهما صارا فحشاء ومنكرا بنهيه ، كما هو ظاهر من عرض الكلام المذكور على العرف ، كيف؟ ولو كان كما ذهبوا إليه لكان الفحشاء والمنكر هو عين ما نهى عنه ، فيكون مفاد الآية : أنّ الله ينهى عمّا نهى عنه وهو واضح الفساد ، بل نقول : إنّ سياق الآية في كمال الظهور في الدلالة على أنّه تعالى يأمر بالامور الحسنة من العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الامور القبيحة من الفحشاء والمنكر والبغي.
ومنه قوله تعالى : (قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ)[٢] فيدلّ على أنّ هناك فحشاء لا يتعلّق أمر الشارع به ، ولو لا ذلك لكان الفحشاء عين المنهيّ عنه ، فيكون مفاد الآية حينئذ إنّه لا يأمر بما نهى عنه ، وهو مع فساده في نفسه مخالف لسياق الآية ، إذ مفاده أنّ ما ذكر قبل من قبيل الفحشاء
[١] النحل : ٩٠.
[٢] الاعراف : ٢٨.