هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين - الرازي النجفي الاصفهاني، محمد تقي - الصفحة ٥٠٢ - الأدلّة العقليّة
وذهب بعض أفاضل المتأخّرين من علمائنا الاصوليّين إلى التفصيل بين العلم الحاصل للعقل بطريق الضرورة والحاصل بطريق الاكتساب والنظر ، فحكم بصحّة الاعتماد على الأوّل دون الأخير وكان الفرق بينه وبين كلام الجماعة أنّه يقول بالاعتماد على العلم البالغ إلى حدّ الضرورة مطلقا ، سواء كان ممّا تسالم فيها العقول أو كان ضروريّا عند المستدلّ ، وإن نازع غيره في كونه ضروريّا أو في أصل ثبوته ، لتفاوت العقول في قبول العلوم والإدراكات ، وهم لا يقولون بالاعتماد على الضروريّات إلّا في ما اتّفق العقول عليها حسب ما أشرنا إليه.
وسيبيّن ذلك من ملاحظة أدلّتهم الآتية بعون الله تعالى ، وقد ينقل هنا قول آخر أسنده بعضهم إلى بعض المتأخّرين ، وهو التفصيل بين المعارف الدينيّة والأعمال البدنيّة ، فقال بحجّيته في اصول الدين دون الفروع ، فهذه جملة الأقوال في المقام ، والكلام هنا إنّما هو في الإيجاب الجزئي والسلب الكلّي ، إذ لا يعقل ادّعاء الموجبة الكلّية في المقام.
ولا يذهب عليك أنّه بناء على مذهب الأشعري ليس للعقل إدراك شيء من الحسن والقبح الشرعيّين ، لكون الحكم عنده توقيفيّا متوقّفا على توقيفه وبيانه كالأوضاع اللفظيّة ، فليس للعقل فيها مدخليّة.
نعم قد يحصل العلم بها من طريق العادة ويمكن إرجاعه إلى النقل إذ سبيل معرفة العادة النقل [١]. وقد يقال بحصول العلم بها على سبيل الإلهام ونحوه ، وهو على فرض تحقّقه لبعض الأشخاص نحو من التوقيف.
ثالثها : أنّه إذا قيل بإدراك العقل الحسن والقبح على نحو ما ثبت في الواقع فهل يثبت بذلك حكم الشرع به كذلك فيكون ما تعلّق به واجبا أو محرّما في الشريعة ـ مثلا ـ على نحو ما أدركه العقل ، أو لا يثبت الحكم الشرعي إلّا بتوقيف الشارع وبيانه فلا وجوب ولا حرمة ولا غيرهما من الأحكام الشرعيّة ، إلّا بعد وروده في الشريعة ، ولا يترتّب ثواب ولا عقاب على فعل شيء ولا تركه إلّا بعد بيانه؟
[١] في «ط ١» : إذ به دلّ العقل النقل.