هداية المسترشدين في شرح أصول معالم الدين - الرازي النجفي الاصفهاني، محمد تقي - الصفحة ٣٥٠ - أدلّة المانعين عن العمل بالظنّ وأجوبتها
فلا وجه لما يدّعى من عدم وروده في الأخبار مشيرا بذلك إلى الأخبار الدالّة على الأمر بالأخذ بالكتاب والسنّة ، نظرا إلى أنّ الأخذ بهما غالبا إنّما يكون على سبيل الظنّ ، إذ من الواضح أنّ ذلك أمر بالأخذ بالظنّ الخاص دون المطلق ، فهو يؤيّد مقصود المستدلّ ويعاضد ما ادّعاه حسب ما ذكرنا لا أنّه ينافيه.
وقد يورد على الاحتجاج المذكور : بأنّه لم يكن سبيل العلم منسدّا في أزمنة المعصومين: وإنّما حصل الانسداد بعد ذلك ، ولو كان ذلك حاصلا في أزمنتهم صحّ ما ذكر في الاحتجاج ، وأمّا إذا حصل بعد تلك الأزمنة فلا دلالة في خلوّ الأخبار عنه على عدم كونه طريقا ، وعموم البلوى بها بعد ذلك لا يقضي بذكرها في الأخبار حال عدم الاحتياج إليها ، وهذا هو الوجه في خلوّ الأخبار عن بيانه.
ويدفعه أنّه لو سلّم جواز إهمال الشارع لحال التكليف في زمن الغيبة مع اشتداد الحاجة إليه نقول : إنّ انسداد باب العلم كان حاصلا بالنسبة إلى كثير ممّن كان في أعصارهم: سيّما من كان منهم في البلدان البعيدة والأقطار النائية مع شدّة التقيّة ، وفي ملاحظة أحوال الرجال وما يرى من اختلافهم في الفتاوى أقوى دلالة عليه ، فمنع حصول الانسداد في تلك الأزمنة وإنكار شدّة الحاجة إلى حكمه ضعيف ، فكيف يصحّ القول حينئذ بإهمالهم في بيان حكم المسألة وركونهم إلى مجرّد حكم العقل مع ما يشاهد من إختلاف العقول في الإدراكات؟
ـ الرابع ـ
أنّ الظنون ممّا يختلف الحال فيها بحسب اختلاف السلائق والأفهام فكيف [١] يصلح أن يجعل مطلق الظنّ مناطا لاستنباط الأحكام؟ وإلّا لزم الهرج والمرج في الشريعة وعدم انضباط الأحكام الشرعيّة. نعم ما كان من الطرق الظنّية مضبوطة بعيدة عن الاضطراب ـ كظنون الكتاب والسنّة ـ لم يكن مانع من حجّيتها والاتّكال عليها.
وفيه : أنّ ذلك إن تمّ فإنّما يتمّ بالنسبة إلى الظنون الّتي لا معيار لها كالأهواء والآراء والاستحسانات العقليّة والوجوه التخريجيّة ، ولا كلام عندنا في عدم صحة
[١] في «ف» و «ق» بدل «فكيف» : فلا.