أصول الفقه - الأراكي، محمد علي - الصفحة ٤٣٤ - الكلام فى الخبرين المتكافئين على حسب ما تقتضيه القاعدة
وأمّا على تقدير اعتبار الأخبار من باب السببيّة فالمصرّح به في كلام شيخنا المرتضى والمحقّق الخراساني قدسسرهما أنّ المقام حينئذ من قبيل التزاحم ، وحكم العقل فيه التخيير ؛ لعدم الأهميّة في أحدهما ، ومقصودهما التخيير في الأخذ والالتزام ؛ لأنّ هذا معنى التخيير في الحجيّة التي هي المسألة الاصوليّة ، وهذا بإطلاقه محلّ نظر ، وتوضيح الحال يحتاج إلى ذكر الأقسام المتصوّرة في القول بالسببيّة.
فنقول وعلى الله التوكّل :
تارة يقال لدفع محذور تحليل الحرام وتحريم الحلال الذي أورده ابن قبة على التعبّد بالخبر بأنّ الحكم الواقعي يدور مدار قيام الحجّة ، وهذا المعنى غير معقول ، يعنى لا يمكن حصول العلم أو الظنّ بأمر يعلم الإنسان بتوقّف ثبوت ذلك الأمر على علمه أو ظنّه.
واخرى يقال بأنّ الخطاب الواقعي لا يتوقّف على حصول العلم والحجيّة فعلا ، بل يتعلّق بمن يعلم الله أنّه يصير ذا علم وذا حجّة ، وهذا معقول ولكنّه مجمع على بطلانه ، لقيام الضرورة والإجماع على أنّ لله تعالى في كلّ واقعة حكما يشترك فيه العالم والجاهل ومن قام عنده الحجّة وغيره.
وثالثة يقال بأنّ لله حكما واقعيا يشترك فيه كلّ الناس ، ولكن هذا الحكم يصير شأنيا في حقّ من يقوم الحجّة على خلافه ، فيكون قيام الحجّة على الخلاف موجبا لحدوث مصلحة في المؤدّي غالبة على ملاك الحكم الواقعي ، وأمّا الحجّة الموافقة فلا تأثير فيها أصلا ، نعم يكون مانعا عن المانع أعني الظنّ بالخلاف ، فتكون الحجيّة في الموافقة من باب الطريقيّة ، وفي المخالفة من باب السببيّة ، ولا مانع من جمعهما في خطاب واحد.
مثاله أنّه لو أمر المولى عبده بإنقاذ أبنائه ، فلم يلتفت العبد أو لم يعرف الأبناء فرأى المولى جماعة غريقين كلّهم أبيض القلنسوة بعضهم بنوه وبعضهم مطلوب الإنقاذ من أجل بياض القلنسوة ، فله أن يجمع الكل تحت خطاب واحد ويقول لعبده : أنقذ هؤلاء الابيض القلنسوة.