مقالات إسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٢٣ - ثالثا وجود الصراط المستقيم في الآخرة

ثم إن المعنى الروائي للصراط المستقيم هو من التعبير عن الكلي بالفرد وبيان أحد المصاديق أو أظهر المصاديق، وهذا كثير موجود في القرآن العظيم والسنة الشريفة وإلَّا فإنّ المعصومين (ع) جميعهم مصاديق للصراط المستقيم والوظيفة الأساسية لأصحاب الصراط المستقيم هي هداية أصحاب السبل وهذه الوظيفة تكوينية لهم.

ثالثاً: وجود الصراط المستقيم في الآخرة:

إن الصراط الآخروي الذي تسلك عليه وثبّت الله أقدامك عليه يوصلك إلى الجنة وهو مادي، وهذا الصراط نشأته وصنعته من هدايتك لنفسك في دار الدنيا وبما هداك الله من الأعمال القلبية والبدنية. وقد مرَّ هذا الصراط جسراً محسوساً على متن أوله في الموقف وآخره على باب الجنة.

وكل من يشاهده يعرف أنه صَنعتك وبناؤك. ولما كان الصراط في النار وما ثمَّ طريق إلى الجنة إلَّا عليه. قال تعالى: [وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا][١].

إن الإنسان من خلال علمه وعمله يوجد الصراط، وهذا المعنى موجود في الروايات الشريفة فإن من يمر على الصراط المستقيم يوم القيامة منهم كلمح البصر، ومنهم من يحبو عليه، ومنهم من يركض. روي عن سعدان بن مسلم عن الإمام أبي عبد الله الصادق (ع) قال: (سألته عن الصراط فقال (ع): هو أدق من الشعر وأحد من السيف فمنهم من يمر عليه مثل البرق، ومنهم من يمر عليه مثل عدو الفرس، ومنهم من يمر عليه ماشياً، ومنهم من يمر عليه حبواً، ومنهم من يمر عليه متعلقاً فتأخذ النار منه شيئاً وتترك منه شيئاً)[٢]، ومعلوم أن الرابطة بين الإنسان وعمله يوم القيامة من خلال تجسد الأعمال واتحاد العمل والعامل مثل الحديدة التي تقع في النار إلى أن تصبح هي ناراً، فبمقدار عمله تظهر آثار مجاوزته للصراط المستقيم.

ثم إنَّ ظهور الصراط المستقيم في الآخرة أبين وأوضح من ظهوره في الدنيا لأن في الآخرة ظهوره ظهور حسي إلَّا لمن دعا إلى الله على بصيرة كما قال تعالى: [قُلْ هَذِهِ‌


[١] سورة مريم/ آية: ٧١، ٧٢

[٢] تفسير القمي: ١/ ٢٨.