الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٣
يتصرف في ما يشاء بما يشاء ولا يكون تصرفه إلا محمودا غير مذموم لأن التصرف إنما يكون مذموما إذا كان المتصرف لا يملكه إما عقلا أو شرعا أو عرفا ، وأي تصرف نسبه إليه تعالى عقل أو شرع أو عرف فإنه يملكه ، فهو تعالى حميد محمود الأفعال.
قوله تعالى : ( وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) بيان لما تقتضيه صفة العزة من القهر لمن يرد دعوته ويكفر بنعمته.
قوله تعالى ( الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً ) إلخ ، قال الراغب في المفردات : وقوله عز وجل : ( إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ ) أي إن آثروه عليه ، وحقيقة الاستحباب أن يتحرى الإنسان في الشيء أن يحبه ، واقتضى تعديته بعلى معنى الإيثار ، وعلى هذا قوله تعالى : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) ، انتهى.
ومعنى استحباب الدنيا على الآخرة اختيار الدنيا وترك الآخرة رأسا ، ويقابله اختيار الآخرة على الدنيا بمعنى أخذ الآخرة غاية للسعي وجعل الدنيا مقدمة لها يتوسل بها إليها ، وأما اختيار الآخرة وترك الدنيا من أصلها فإنه مضاف إلى عدم إمكانه بحقيقة معنى الكلمة يوجب اختلال أمر الآخرة ، وينجر إلى تركها بالآخرة ، فالحياة الدنيا حياة منقطعة والحياة الآخرة حياة دائمة يتوسل إلى سعادتها من طريق الدنيا بالاكتساب ، فمن اختار الآخرة وأثبتها لزمه إثبات الدنيا لمكان مقدميتها ، ومن اختار الدنيا وجعلها غاية لزمه نفي الآخرة من أصلها لأنها لو ثبتت ثبتت غاية وإذ لم يجعل غاية انتفت ، فليس بين يدي الإنسان إلا خصلتان : اختيار الآخرة على الدنيا بجعل الآخرة غاية وإثبات الدنيا معها للمقدمية ، واختيار الدنيا على الآخرة بجعل الدنيا غاية ونفي الآخرة من أصلها.
وإيضاح المقام أن الإنسان لا بغية له إلا سعادة حياته وحبه لها فطري ، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متفرقة فيما تقدم ، والذي يثبته كتاب الله من أمر الحياة أنها دائمة غير منقطعة بالموت فلا محالة تنقسم بالنظر إلى تخلل الموت إلى حياتين : الحياة الدنيا المؤجلة بالموت والحياة الآخرة بعد الموت ، وهي تتفرع في سعادتها وشقائها على