لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٥ - اصول الفقه نشوؤه و أدواره
نفس ألفاظ الحديث للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راوٍ و محدِّثٍ، و تارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية أو الروايات بحسب نظره، فهو في هذا الحال مُفتٍ و صاحب رأي [١].
٣- و هناك وجه ثالث: و هو أنّ صاحبَ الشريعة ما عُني بالتفاصيل و الجزئيّات؛ لعدم سنوح الفرصة لبيانها، أو تعذّر بيان حكم موضوعات لم يكن لها نظير في حياتهم، بل كان تصوّرها- لعدم وجودها- أمراً صعباً على المخاطَبين، فلا محيص لصاحبِ الشريعةِ عن إلقاء اصول كلّيّة ذات مادّة حيويّة قابلة لاستنباط الأحكام وفقاً للظروفِ و الأزمنة.
٤- إنّ حياة الدين مرهونة بمُدارسته و مُذاكرته، و لو افترضنا أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ذكر التفاصيل و الجزئيّات و أودعها بين دفّتي كتاب، لاستولى الرُّكود الفكري على عقليّة الامّة، و لانحسر كثير من المفاهيم و القِيَم الإسلامية عن ذهنيّتها، و أوجب ضياع العلم و تطرّق التحريف إلى اصوله و فروعه؛ حتّى إلى الكتاب الذي فيه تلك التفاصيل.
و على هذا لم تقم للإسلام دعامة، و لا حُفِظَ كِيانُه و نظامه، إلّا على ضوء هذه البحوث العلميّة و النقاشات الدارجة بين العلماء، أو ردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر بلا محاباة.
و قد حكى شيخنا العلّامة المتضلّع شيخ الشريعة الأصفهاني قدس سره (١٢٦٦- ١٣٣٩ ه) في مقدّمة كتابه «إبانة المختار» عن بعض الأعلام كلاماً يُعرِبُ عمّا قلناه، قال: «إنّ عدم محاباة العلماء بعضهم لبعضٍ، من أعظم مزايا هذه الامّة التي أعظم اللَّه بها عليهم النعمة؛ حيث حفظهم عن وصمةِ محاباة أهل الكتابين، المؤدّية
[١] كاشف الغطاء، أصل الشيعة: ١١٨.