لمحات الأصول - بروجردى، حسين - الصفحة ٤ - اصول الفقه نشوؤه و أدواره

سبحانه قد أكمل دينه بقوله: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»، و الثالث لا ينسجم مع طبيعة الحياة و نواميسها.

٢- لم يكن كلّ واحدٍ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم متمكّناً من دوامِ الحضورِ عنده صلى الله عليه و آله و سلم لأخذ الأحكام عنه، بل كان في مدّة حياته يحضره بعضهم دونَ بعض، و في وقت دون وقت، و كان يسمع جواب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم- عن كلّ مسألة يُسأل عنها- بعضُ الأصحاب و يفوت عن الآخرين، فلمّا تفرّق الأصحاب بعد وفاته صلى الله عليه و آله و سلم في البلدان، تفرّقت الأحكام المروية عنه صلى الله عليه و آله و سلم فيها، فتُروى في كلّ بلدة منها جملة، و تُروى عنه في غير تلك البلدة جُملة اخرى‌؛ حيث إنّه قد حضر المدنيّ من الأحكام ما لم يحضره المصريّ، و حضر المصريّ ما لم يحضره الشاميّ، و حضر الشاميّ ما لم يحضره البصري، و حضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك، و كان كلٌّ منهم يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام‌ [١].

إنّ الصحابي قد يسمع من النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في واقعة حكماً، و يسمع الآخر في مثلها خلافه، و تكون هناك خصوصيّة في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين، و غفل أحدهما عن الخصوصيّة، أو التفت إليها و غفل عن نقلها مع الحديث، فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً؛ بالرغم من عدم تنافيهما واقعاً، و لهذه الأسباب و أضعافِ أمثالها، احتاج حتّى نفس الصحابة- الذين فازوا بشرف الحضور- في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد و النظر في الحديث، و ضمّ بعضه إلى بعض، و الالتفات إلى القرائن الحاليّة، فقد يكون للكلام ظاهر و مراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام، و الحديث نُقِلَ و القرينة لم تنقل.

و كلُّ واحدٍ من الصحابة- ممّن كان من أهل الرأي و الرواية- تارة يروي‌


[١] المقريزي، الخطط: ٢/ ٣٣٣.