الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٩٦ - المكاشفة على ثلاثة معان
سماء و أرض فإنها في السماء و الأرض معنى و صورة و هما في الناس معنى لا صورة و الجامع بين المعنى و الصورة أكبر في الدلالة ممن انفرد بأحدهما و لهذا قال وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ فالحمد لله الذي جعلنا من القليل الذي يعلم ذلك فجمع الجبل بين الصورة و المعنى فهو أكبر من جبل موسى المعنوي إذ هو نسخة من العالم كما هو كل إنسان فإذا كان الجامع بين الأمرين و هو الأقوى و الأحق باسم الجبل صار دكا عند التجلي فكيف يكون موسى حيث جبليته التي هي فيه معنى لا صورة و لما كانت الرؤية لا تصح إلا لمن يثبت لها إذا وقعت و الجبل موصوف بالثبوت في نفسه و بالإثبات لغيره إذ كان الجبل هو الذي يسكن ميد الأرض و يقال فلان جبل من الجبال إذا كان يثبت عند الشدائد و الأمور العظام فلهذا أحاله على الجبل الذي من صفاته الثبوت فإن ثبت الجبل إذا تجليت إليه فإنك ستراني من حيث ما فيك من ثبوت الجبل
فرؤية اللّٰه لا تطاق فإنها كلها محاق
فلو أطاق الشهود خلق أطاقه الأرض و الطباق
فلم تكن رؤيتى شهودا و إنما ذلك انفهاق
قيل لرسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم أ رأيت ربك قال نوراني أراه و ذلك أن الكون ظلمة و النور هو الحق المبين و النور و الظلمة لا يجتمعان كما لا يجتمع الليل و النهار بل كل واحد منهما يغطي صاحبه و يظهر نفسه فمن رأى النهار لم ير الليل و من رأى الليل لم ير النهار فالأمر ظاهر و باطن و هو الظاهر و الباطن فحق و خلق فإن شهدت خلقا لم تر حقا و إن شهدت حقا لم تر خلقا فلا تشهد خلقا و حقا أبدا لكن يشهد هذا في هذا و هذا في هذا شهود علم لأنه غشاء و مغشي «بسم اللّٰه الرحمن الرحيم»
«الباب العاشر و مائتان في المكاشفة»
إذا الحق أعطاك أسماءه
فخذها أمانة من قد فهم
بأن الأمانة محمولة
و حاملها جاهل قد ظلم
فإن أنت أفهمت مقصوده
فأنت المكاشف فلتلتزم
بأحكامها فمتى ما دعي
بها فأجب أمره و احتشم
من أجل التصرف فيها و لم
يكن ينبغي لك أن تحتكم
فإنك عبد و أسماؤه
ربوبية عرضت فاحترم
مقام الأمانة أوردها
إلى ربها أولا و اعتصم
بما زادك الحال في أمرها
و حقق إشارتها و اغتنم
فهذي مكاشفة ترتضي
و صاحبها سيد قد عصم
[المكاشفة تطلق بإزاء الأمانة بالفهم و تطلق بإزاء تحقيق زيادة الحال و تطلق بإزاء تحقيق الإشارة]
اعلم أن المكاشفة عند القوم تطلق بإزاء الأمانة بالفهم و تطلق بإزاء تحقيق زيادة الحال و تطلق بإزاء تحقيق الإشارة اعلم أن المكاشفة متعلقها المعاني و المشاهدة متعلقها الذوات فالمشاهدة للمسمى و المكاشفة لحكم الأسماء و المكاشفة عندنا أتم من المشاهدة إلا لو صحت مشاهدة ذات الحق لكانت المشاهدة أتم و هي لا تصح فلذلك قلنا المكاشفة أتم لأنها ألطف فالمكاشفة تلطف الكثيف و المشاهدة تكثف اللطيف و بقولنا هذا تقول طائفة كبيرة من أهل اللّٰه مثل أبي حامد و ابن فورك و المنذري و قالت طائفة بالنقيض و إنما قلنا إنها أتم لأنه ما من أمر تشهده إلا و له حكم زائد على ما وقع عليه الشهود لا يدرك إلا بالكشف فإن أقيم لك ذلك الأمر في الشهود من حيث ذاته صحب ذلك المشهود حكم و لا بد لا يدرك إلا بالكشف هكذا أبدا فالمكاشفة إدراك معنوي فهي مختصة بالمعاني و مثال ذلك إذا شاهدت متحركا يطلب بالكشف محركه لأنه يعلم أن له محركا كشفا و لهذا يتعلق العلم بمعلومين و يتعلق البصر الذي هو للمشاهدة بمعلوم واحد فيدرك بالكشف ما لا يدرك بالشهود و يفصل الكشف ما هو مجمل في الشهود
[المكاشفة على ثلاثة معان]
فالمكاشفة كما قلنا على ثلاثة معان