الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٤١ - نسبة الأخلاق إلى اللّٰه و إلى الإنسان
الغيب ما أدركناه بالخبر الشرعي أو النظر الفكري مما لا يظهر في الحس عادة
[عين البصيرة لإدراك عالم الغيب و عين البصر لإدراك عالم الشهادة]
فنقول إن عالم الغيب يدرك بعين البصيرة كما إن عالم الشهادة يدرك بعين البصر و كما أن البصر لا يدرك عالم الشهادة ما عدا الظلمة ما لم يرتفع عنه حجاب الظلم أو ما أشبهه من الموانع فإذا ارتفعت الموانع و انبسطت الأنوار على المحسوسات و اجتمع نور البصر و النور المظهر أدرك المبصر بالبصر المبصرات كذلك عين البصيرة حجابه الريون و الشهوات و ملاحظة الأغيار من العالم الطبيعي الكثيف إلى أمثال هذه الحجب فتحول بينه و بين إدراك الملكوت أعني عالم الغيب فإذا عمد الإنسان إلى مرآة قلبه و جلاها بالذكر و تلاوة القرآن فحصل له من ذلك نور و لله نور منبسط على جميع الموجودات يسمى نور الوجود فإذا اجتمع النوران فكشف المغيبات على ما هي عليه و على ما وقعت في الوجود غير أن بينهما لطيفة معنى فذلك أن الحس يحجبه الجدار و البعد المفرط و القرب المفرط و عين البصيرة ليس كذلك لا يحجبه شيء إلا ما ذكرنا من الران و الكن و أشباه ذلك إلا أنه أيضا ثم حجابا لطيفا أذكره
[النور المنبسط على الحضرات الوجودية و حظ المكاشف منها]
و هو أن النور الذي ينبسط من حضرة الجود على عالم الغيب في الحضرات الوجودية لا يعمها كلها و لا ينبسط منه عليها في حق هذا المكاشف إلا على قدر ما يريد اللّٰه تعالى و ذلك هو مقام الوحي دليلنا على ذلك لأنفسنا ذوقنا له و لغيرنا قوله قُلْ ... مٰا أَدْرِي مٰا يُفْعَلُ بِي وَ لاٰ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّٰ مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ مع غاية الصفاء المحمدي و هو قوله أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ فمهما ظهر ممن حصل في هذا المقام شيء من ذلك على ظاهره في حق شخص ما فتلك الفراسة و هي أعلى درجات المكاشفة و موضعها من كتاب اللّٰه إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ من السمة و هي العلامة كما قلنا و لا يخطئ أبدا بخلاف الفراسة الحكمية
[حضرة السمات التي فيها صور بنى آدم و أحوالهم]
و ثم كشف آخر في الفراسة و ذلك أن اللّٰه جعل في العالم حضرة السمات فيها صور بنى آدم و أحوالهم في أزمانهم إلى حين انفصالهم و هي مخبوءة عن جميع الخلائق العلوي و السفلي إلا عن القلم و اللوح فإذا أراد اللّٰه اصطفاء عبد و أن يخصه بهذا المقام طهر قلبه و شرحه و جعل فيه سراجا منيرا من إيمانه خاصة يسرجه من الأسماء الإلهية الاسم المؤمن المهيمن و بيده هذه الحضرة و ذلك السراج من حضرة الألوهة يأخذه الاسم المؤمن فإذا استنار القلب بذلك النور الإلهي و انتشر النور في زوايا قلبه مع نور عين البصيرة بحيث يحصل له إدراك المدركات على الكشف و المشاهدة لوجود هذه الأنوار فإذا حصل القلب على ما ذكرناه جعل في ساحة من ساحات هذا القلب تلك الحضرة التي ذكرناها فمن هناك يعرف حركات العالم و أسراره انتهى الجزء الثالث و مائة
(الباب التاسع و الأربعون و مائة في معرفة مقام الخلق و أسراره)
كون التخلق في الإنسان و الخلق
مثل التكحل في العينين و الكحل
و إن تضاعف فيه أجره فمتى
ينال مرتبة الأملاك و الرسل
ذاك الوحيد الذي يحيا الزمان به
فهو المرتب للاحكام و الدول
تنحط من عزها غلب الرقاب له
و هو المثبت للاعراض و العلل
[نسبة الأخلاق إلى اللّٰه و إلى الإنسان]
قال رسول اللّٰه ص ما كان اللّٰه لينهاكم عن الربا و يأخذه منكم و هو حديث صحيح فأدخل نفسه معنا فيما نهانا عنه في الحكم فالأخلاق كلها نعوت إلهية فكلها مكارم و كلها في جبلة الإنسان و لذلك خوطب بها فإن بعض من لا معرفة له بالحقائق يقول إنها في الإنسان تخلق و في الحق خلق فهذا من قائله جهل بالأمور إن لم يطلق ذلك مجازا أو بالنظر إلى تقدم وجود الحق على وجود العبد لأنه واجب الوجود لنفسه و الإنسان موجود بربه فاستفاد الوجود فاستفاد الخلق منه فإذا راعى هذا الأصل فقال بالتخلق كان صحيح المقصد و إن أراد بالتخلق أن ما هو للحق حقيقة و اتصف به العبد إن لم يكن عنده إلا في الوقت الذي اتصف به فسماه لذلك تخلقا لا خلقا و ما يكون خلقا إلا ما جبل عليه في أصل نشأته فلا علم له بنشأة الإنسان و لا بإعلام النبي ص بأن اللّٰه خلق آدم على صورته و يلزم هذا القائل أن يكون ما جعله من الصفات حقيقة للعبد ثم رأينا الحق قد اتصف به أن يكون ذلك في اللّٰه تخلقا من اللّٰه بما هو حق