الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٤٦ - لسان العموم في الولاية
يؤيد ما ذكرناه أنه لو حسن الظن بشخص و تخيل أنه من أولياء اللّٰه و ليس كذلك في نفس الأمر عظمه و احترمه هذا في فطرة كل مخلوق فما قصد أحد انتهاك حرمة اللّٰه في أوليائه و هذا من غيرة الحق فإن قلت فقد آذوا اللّٰه مع علمهم بأنه اللّٰه قلنا في الجواب عن ذلك ما علموا إن ذلك أذى و أنهم تأولوا فأخطئوا في نفس الأمر لحكم الشبهة التي قامت لهم و تخيلوا أنها دليل و هي في نفس الأمر ليست كذلك و هذه كلها من الحق في عباده أمور مقدرة لا بد من وقوعها فمن غيرته حجابهم عن العلم به و بالخاصة من عباده فجناب اللّٰه و أهل اللّٰه على الإطلاق محترمون ما لم تعين أو يتأول فاعلم ذلك
(الباب الحادي و الخمسون و مائة في معرفة مقام ترك الغيرة و أسراره)
مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فهو الذي
بنوره في كل أمر يهتدى
و غيرة العبد إذا حققتها
شح طبيعي من أسباب الردي
و غيرة الحق إذا علمتها
من رؤية الغير و لا غير بدا
فلا تقل بغيرة فإنها
مشتقة من غير فاتركها سدى
و أين عين الغير و هو عدم
فاسلك هديت الرشد أسباب الهدى
و انسب إلى الباري ما قال و ما
جاء به شرع و لكن ابتدا
مما لو أن العقل يبقى وحده
ما قاله معتقدا و قدا
فإن يكن بعد سؤال قاله
فهو دواء و هو بالبرهان دا
فالحق ما قرره الشرع و لو
دل على كل محال و بدا
فالمؤمن الحق بهذا مؤمن
و كل من أوله قد اعتدى
لأنه ظن و بعض الظن قد
يكون إثما قائدا نحو الردي
[إذا كانت العين واحدة فلا غيرة إذ لا غير]
إذا اقتضى نظر العبد العارف ظهور الحق في أعيان الممكنات الثابتة و إنها ما استفادت منه الوجود و إنما استفادت منه ما ظهر مما هي عليه من الحقائق عند ظهوره فيها فأعطته كل وصف و نعت اتصف به مما تضيفه بطريق الحقيقة إلى الإنسان أو العالم كيفما شئت قلت و من جملة النعوت الغيرة المحكوم بها في نسبة ما ظهر به الظاهر لظهور آخر لحكم آخر من عين آخر فإذا كانت العين واحدة فلا غيرة إذ لا غير
[الغيرة متعلقها النسب أو الأعمال و هي كلها لله]
و إذا نزلت عن هذا النظر إلى قوله مٰا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّٰ هُوَ آخِذٌ بِنٰاصِيَتِهٰا و قوله وَ اللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ لم يصح وجود الغيرة فإن الغيرة متعلقها النسب أو قل الأعمال و هي كلها لله فعلى من تقع الغيرة و ما هو ثم إذ كانت النسب و الأعمال كلها لله
[الغيرة المعلومة الظاهرة في الكون شح طبيعي الكرم المطلق لا تكون معه غيرة]
و الغيرة المعلومة الظاهرة في الكون شح طبيعي و الشح في ذلك الجناب العالي و في الأرواح العلى لا يصح فإذا ظهرت فمن النفس الحيوانية و لهذا توجد الغيرة في الحيوانات و أصلها ضيق الملك و فقد الغرض فالكرم المطلق لا يكون معه غيرة أصلا
(الباب الثاني و الخمسون و مائة في مقام الولاية و أسرارها)
إن الولاية عند العارفين بها
نعت اشتراك و لكن فيه إشراك
حبالة نصبت للعارفين بها
صيد العقول و سيف الشرع بتاك
و العبد ليس له في حكمها قدم
و كيف يقضي بشيء فيه إشراك
إِنْ تَنْصُرُوا اللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ فقد نزلت
و عين تحقيقها ما فيه إدراك
و ما الإله بمحتاج لنصرتنا
و قد أتتكم به رسل و أملاك
فسلمته إلى من جاء منه و قل
العجز عن درك الإدراك إدراك
[لسان العموم في الولاية]
الولاية نعت إلهي و هو للعبد خلق لا تخلق و تعلقه من الطرفين عام و لكن لا يشعر بتعلقه عموما من الجناب الإلهي و عموم تعلقه من الكون أظهر عند الجميع فإن الولاية نصر الولي أي نصر الناصر فقد تقع لله و قد تقع حمية و عصبية