الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٦ - لا يستغرق الحب المحب كله إلا إذا كان محبوبه الحق تعالى
بالمحبوب لا يشبع من مشاهدته و لا يأخذ نهمته منا لأنه كلما نظر إليه زاد وجدا به و شوقا مع حضوره معه كما قيل
و من عجب إني أحن إليهم و أسأل شوقا عنهم و هم معي
و تبكيهم عيني و هم في سوادها و تشتاقهم نفسي و هم بين أضلعي
و كل حب يبقى في المحب عقلا يعقل به عن غير محبوبه أو تعقلا فليس بحب خالص و إنما هو حديث نفس قال بعضهم
و لا خير في حب يدبر بالعقل
و حكايات المحبين في هذا الباب أكثر من أن تحصى و لنا في ازدياد المحبة مع المشاهدة و الشوق
أغيب فيفني الشوق نفسي فالتقى فلا أشتفي فالشوق غيبا و محضرا
و يحدث لي لقياه ما لم أظنه مكان الشفا داء من الوجد آخرا
لأني أرى شخصا يزيد جماله إذا ما التقيناه نخوة و تكبرا
فلا بد من وجد يكون مقارنا لما زاد من حسن نظاما محررا
أشير إلى تجليه سبحانه في صور مختلفة في الآخرة لعباده و في الدنيا لقلوب عباده كما ورد في صحيح مسلم من تحوله سبحانه في الصور كما ينبغي لذاته من غير تشبيه و لا تكييف فو الله لو لا الشريعة التي جاءت بالأخبار الإلهي ما عرف اللّٰه أحد و لو بقينا مع الأدلة العقلية التي دلت في زعم العقلاء على العلم بذاته بأنه ليس كذا و ليس كذا ما أحبه مخلوق فلما جاء الخبر الإلهي بالسنة الشرائع بأنه سبحانه كذا و أنه كذا من أمور تناقض ظواهرها الأدلة العقلية أحببناه لهذه الصفات الثبوتية ثم بعد أن أوقع النسب و ثبت السبب و النسب الموجبات للمحبة قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فثبت الأسباب الموجبة للحب التي نفاها العقل بدليله و هذا معنى
قوله فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني فما يعرف اللّٰه إلا بما أخبر به عن نفسه من حبه إيانا و رحمته بنا و رأفته و شفقته و تحببه و نزوله في التحديد لمثله تعالى و نجعله نصب أعيننا في قلوبنا و في قبلتنا و في خيالنا حتى كأنا نراه لا بل نراه فينا لأنا عرفناه بتعريفه لا بنظرنا و منا من يراه و يجهله فكما أنه لا يفتقر إلى غيره كذلك و اللّٰه لا يحب في الموجودات غيره فهو الظاهر في كل محبوب لعين كل محب و ما في الموجود إلا محب فالعالم كله محب و محبوب و كل ذلك راجع إليه كما أنه لم يعبد سواه فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الألوهية فيه و لولاها ما عبد يقول تعالى وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ و كذلك الحب ما أحب أحد غير خالقه و لكن احتجب عنه تعالى بحب زينب و سعاد و هند و ليلى و الدنيا و الدرهم و الجاه و كل محبوب في العالم فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات و هم لا يعلمون و العارفون لم يسمعوا شعرا و لا لغزا و لا مديحا و لا تغزلا إلا فيه من خلف حجاب الصور و سبب ذلك الغيرة الإلهية أن يحب سواه فإن الحب سببه الجمال و هو له لأن الجمال محبوب لذاته
و اللّٰه جميل يحب الجمال فيحب نفسه و سببه الآخر الإحسان و ما ثم إحسان إلا من اللّٰه و لا محسن إلا اللّٰه فإن أحببت للإحسان فما أحببت إلا اللّٰه فإنه المحسن و إن أحببت للجمال فما أحببت إلا اللّٰه تعالى فإنه الجميل فعلى كل وجه ما متعلق المحبة إلا اللّٰه و لما علم الحق نفسه فعلم العالم من نفسه فأخرجه علم صورته فكان له مرآة يرى صورته فيه فما أحب سوى نفسه فقوله يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ على الحقيقة نفسه أحب إذ الاتباع سبب الحب و اتباعه صورته في مرآة العالم سبب الحب لأنه لا يرى سوى نفسه و سبب الحب النوافل و هي الزيادات و صورة العالم زيادة في الوجود فأحب العالم نافلة فكان سمعه و بصره حتى لا يحب سوى نفسه و ما أغمضها من مسألة و ما أسرع تفلتها من الوهم فإنه اتفق في الوجود أمر غريب و ذلك أن ثم أمورا يتحقق بها العقل و يثبت عليها و لا يتزلزل و تتفلت من الوهم و لا يقدر يبقى على ضبطها مثل هذه المسألة يثبتها العقل و لا يقدر يزول عنها و تتفلت من الوهم و لا يقدر على ضبطها و ثم أمور أخر بالعكس تتفلت من العقل و تثبت في الوهم و يحكم عليها و يؤثر فيها كمن يعطيه العقل بدليله أن رزقه لا بد أن يأتيه سعى إليه أو لم يسع فيتفلت هذا العلم عن العقل و يحكم عليه الوهم بسلطانه إنك إن لم تسع في طلبه تموت فيغلب عليه فيقوم يتعمل في تحصيله فحقه من جهة عقله زائل و باطله من جهة وهمه ثابت لا يتزلزل و كمن يرى حية أو أسدا على صورة لا يتمكن فيما يغطيه العقل أن يصل ضرره إليه فيغيب عن ذلك الدليل و يتوهم ضرره فينفر منه