الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٧١ - سجود الملائكة لآدم سجود لله من أجل آدم
فإن ارتقى عن درجة البشرية كلمه اللّٰه من حيث ما كلم الأرواح إذ كانت الأرواح أقوى في التشبه لكونها لا تقبل التحيز و الانقسام و تتجلى في الصور من غير أن يكون لها باطن و ظاهر فما لها سوى نسبة واحدة من ذاتها و هي عين ذاتها و البشر من نشأته ليس كذلك فإنه على صورة العالم كله ففيه ما يقتضي المباشرة و التحيز و الانقسام و هو مسمى البشر و فيه ما لا يطلب ذلك و هو روحه المنفوخ فيه و على بشريته توجهت اليدان فظهرت الشفعية في اليدين في نشأته فلا يسمع كلام الحق من كونه بشرا إلا بهذه الضروب التي ذكرها أو بأحدها فإذا زال في نظره عن بشريته و تحقق بمشاهدة روحه كلمه اللّٰه بما يكلم به الأرواح المجردة عن المواد مثل قوله تعالى في حق محمد صلى اللّٰه عليه و سلم و في حق الأعرابي فَأَجِرْهُ حَتّٰى يَسْمَعَ كَلاٰمَ اللّٰهِ و ما تلاه عليه غير لسان محمد صلى اللّٰه عليه و سلم فأقام محمدا صلى اللّٰه عليه و سلم في هذه الصورة مقام الروح الأمين الذي نزل بكلام اللّٰه على قلب محمد صلى اللّٰه عليه و سلم و هو قوله أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً يعني لذلك البشر فَيُوحِيَ إليه بِإِذْنِهِ مٰا يَشٰاءُ اللّٰه تعالى مما أمره أن يوحى به إليه فقوله إِلاّٰ وَحْياً يريد هنا إلها ما بعلامة يعلم بها أن ربه كلمه حتى لا يلتبس عليه الأمر أَوْ مِنْ وَرٰاءِ حِجٰابٍ يريد إسماعه إياه لحجاب الحروف المقطعة و الأصوات كما سمع الأعرابي القرآن المتلو الذي هو كلام اللّٰه أو حجاب الآذان أيضا من السامع أو حجاب بشريته مطلقا فيكلمه في الأشياء كما كلم موسى مِنْ جٰانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ... فِي الْبُقْعَةِ الْمُبٰارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يٰا مُوسىٰ إِنِّي أَنَا اللّٰهُ فوقع الحد بالجهة و تعين البقعة لشغله بطلب النار الذي تقتضيه بشريته فنودي في حاجته لافتقاره إليها و اللّٰه قد أخبر أن الناس فقراء إلى اللّٰه فتسمى اللّٰه في هذه الآية باسم كل ما يفتقر إليه غيرة إلهية أن يفتقر إلى غير اللّٰه فتجلى اللّٰه له في عين صورة حاجته فلما جاء إليها ناداه منها فكان في الحقيقة فقره إلى اللّٰه و الحجاب وقع بالصورة التي وقع فيها التجلي فلو لا ما ناداه ما عرفه و في مثل هذا يقع التجلي الإلهي في الآخرة الذي يقع فيه الإنكار و قوله إنه على أي عليم بما تقتضيه المراتب التي ذكرها و أنزلها منزلتها و قوله حكيم يريد بإنزال ما علمه منزلته و لو بدل الأمر لما عجز عن ذلك و لكن كونه عليا حكيما يقضي بأن لا يكون الأمر إلا كما وقع و لما أخبر نبيه بهذه المراتب كلها التي تطلبها البشرية قال له و كذلك أي و مثل ذلك أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنٰا يعني الروح الأمين الذي نزل به على قلبك الذي هو روح القدس أي الطاهر عن تقييد البشر فقد علمت معنى البشر الذي أردنا أن نبينه لك بما تقتضيه هذه اللفظة باللسان العربي
(السؤال الخامس و الأربعون)بأي شيء نال التقدمة على الملائكة
الجواب إن اللّٰه قد بين ذلك بقوله تعالى وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا يعني الأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاد حقائق الأكوان و من جملتها الأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاد الملائكة و الملائكة لا تعرفها
[التجليات الإلهية للأسماء هي كالمواد الصورية للأرواح]
ثم أقام المسمين بهذه الأسماء و هي التجليات الإلهية التي هي للأسماء كالمواد الصورية للأرواح فقال للملائكة أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلاٰءِ يعني الصور التي تجلى فيها الحق إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ في قولكم نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ و هل سبحتموني بهذه الأسماء التي تقتضيها هذه التجليات التي أتجلاها لعبادي و إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ في قولكم و نقدس لك ذواتنا عن الجهل بك فهل قدستم ذواتكم لنا من جهلكم بهذه التجليات و ما لها من الأسماء التي ينبغي أن تسبحونى بها فقالت الملائكة لاٰ عِلْمَ لَنٰا إِلاّٰ مٰا عَلَّمْتَنٰا فمن علمهم بالله أنهم ما أضافوا التعليم إلا إليه تعالى إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ بما لا يعلم اَلْحَكِيمُ بترتيب الأشياء مراتبها فأعطيت هذا الخليفة ما لم تعطنا مما غاب عنا فلو لا أن رتبة نشأته تعطي ذلك ما أعطت الحكمة أن يكون له هذا العلم الذي خصصته به دوننا و هو بشر
[عالم آدم على عدد ما في نشأته من الحقائق]
فقال لآدم أَنْبِئْهُمْ(بِأَسْمٰائِهِمْ) بأسماء هؤلاء الذين عرضناهم عليهم فأنبأ آدم الملائكة بأسماء تلك التجليات و كانت على عدد ما في نشأة آدم من الحقائق الإلهية التي تقتضيها اليدان الإلهية مما ليس من ذلك في غيره من الملائكة شيء فكان هؤلائك المسمون المعروضة على الملائكة تجليات إلهية في صورة ما في آدم من الحقائق فأولئك هم عالم آدم كلهم فلما علمهم آدم عليه السلام قال لهم اللّٰه أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمٰاوٰاتِ و هو ما علا من علم الغيوب وَ الْأَرْضِ و هو ما في الطبيعة من الأسرار وَ أَعْلَمُ مٰا تُبْدُونَ أي ما هو من الأمور ظاهر وَ مٰا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي ما تخفونه على أنه باطن مستور فأعلمتكم أنه أمر نسبي بل هو ظاهر لمن يعلمه
[سجود الملائكة لآدم سجود لله من أجل آدم]
ثم قال لهم بعد التعليم اُسْجُدُوا لِآدَمَ سجود المتعلمين للمعلم من أجل ما علمهم فلآدم هنا لام العلة و السبب