الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٦٢ - «الباب الثالث و الستون و مائتان في معرفة الحقيقة»
علوا معارج من عقل و من همم
لحضرة دخلوا فيها و ما خرجوا
جاءوا بأمر عظيم القدر منه و ما
عليهم في الذي جاءوا به حرج
[الشريعة التزام العبودية بنسبة الفعل إليك]
الشريعة السنة الظاهرة التي جاءت بها الرسل عن أمر اللّٰه و السنن التي ابتدعت على طريق القربة إلى اللّٰه كقوله تعالى وَ رَهْبٰانِيَّةً ابْتَدَعُوهٰا و
قول الرسول صلى اللّٰه عليه و سلم من سن سنة حسنة فأجاز لنا ابتداع ما هو حسن و جعل فيه الأجر لمن ابتدعه و لمن عمل به و أخبر أن العابد لله بما يعطيه نظره إذا لم يكن على شرع من اللّٰه معين أنه يحشر أمة وحده بغير إمام يتبعه فجعله خيرا و ألحقه بالأخيار كما قال في إبراهيم إِنَّ إِبْرٰاهِيمَ كٰانَ أُمَّةً قٰانِتاً لِلّٰهِ و ذلك قبل إن يوحى إليه و
قال عليه السلام بعثت لأتمم مكارم الأخلاق فمن كان على مكارم الأخلاق فهو على شرع من ربه و إن لم يعلم ذلك و
سماه النبي صلى اللّٰه عليه و سلم خيرا في حديث حكيم بن حزام و إنه كان يتبرر في الجاهلية بأمور من عتق و صدقة و صلة رحم و كرم و أمثال ذلك فقال له رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم لما سأله عن ذلك أسلمت على ما أسلفت من خير فسماه خيرا و جازاه اللّٰه به فالشريعة إن لم تفهم هكذا و إلا فما فهمت الشريعة و أما تتمة مكارم الأخلاق فهي تعريتها مما نسب إليها من السفسفة فإن سفساف الأخلاق أمر عرضي و مكارم الأخلاق أمر ذاتي لأن السفساف ليس له مستند إلهي فهو نسبة عرضية مبناها الأغراض النفسية و مكارم الأخلاق لها مستند إلهي و هو الأخلاق الإلهية فتتمة النبي صلى اللّٰه عليه و سلم مكارم الأخلاق ظهر في تبيينه مصارفها فعين لها مصارف تكون بها مكارم أخلاق و تعرى بذلك عن ملابس سفساف الأخلاق فما في الكون إلا شريعة
[الشريعة أتت بلسان ما تواطأت عليه الأمة]
ثم اعلم أن الشريعة أتت بلسان ما تواطأت عليه الأمة التي شرع اللّٰه لها ما شرع فمنه ما كان عن طلب من الأمة و منه ما شرعه ابتداء من الأحكام و لهذا
كان يقول صلى اللّٰه عليه و سلم اتركوني ما تركتكم فإن كثيرا من الشريعة نزل بسؤال من الأمة لو لم يسألوه ما نزل و أسباب الأحكام دنيا و آخرة معلومة عند العلماء بأسباب النزول و الحكم يقال شرعت الرمح قبله أي قصدته به مستقبلا و الشريعة من جملة الحقائق فهي حقيقة لكن تسمى شريعة و هي حق كلها و الحاكم بها حاكم بحق مثاب عند اللّٰه لأنه حكم بما كلف إن يحكم به و إن كان المحكوم له على باطل و المحكوم عليه على حق فهل هو عند اللّٰه كما هو في الحكم أو كما هو في نفس الأمر فمنا من يرى أنه عند اللّٰه كما هو في الحكم و منا من يرى أنه عند اللّٰه كما هو في نفس الأمر و في هذه المسألة نظر يحتاج إلى سبر أدلة فإن العقوبة قد أوقعها اللّٰه في رمى المحصنات و إن صدقوا إذ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ و قال في قضية خاصة في ذلك كان الرامي كاذبا فيها فقال لَوْ لاٰ جٰاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ كما قرر في الحكم فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدٰاءِ فَأُولٰئِكَ عِنْدَ اللّٰهِ هُمُ الْكٰاذِبُونَ فقوله أولئك هل يريد بهذه الإشارة هذه القضية الخاصة أو يريد عموم الحكم في ذلك فجلد الرامي إنما كان لرميه و لكونه ما جاء بأربعة شهداء و قد يكون الشهداء شهداء زور في نفس الأمر و تحصل العقوبة بشهادتهم في المرمي فيقتل و له الأجر التام في الأخرى مع ثبوت الحكم عليه في الدنيا و على شهود الزور و المفتري العقوبة في الأخرى و إن حكم الحق في الدنيا بقوله و شهادة شهود الزور فيه و لهذا
قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم إنما أنا بشر و إنكم لتختصمون إلي و لعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فقد قضى له بما هو حق لأخيه و جعله له حقا مع كونه معاقبا عليه في الآخرة كما يعاقب على الغيبة و النميمة مع كونهما حقا فما كان حق في الشرع تقترون به السعادة و لما كان الشريعة عبارة عن الحكم في المشروع له و التحكم فيه بها كان المشروع له عبدا فالتزم عبوديته لكون الحكم لا يتركه يرفع رأسه بنفسه فما له من حركة و لا سكون إلا و للشرع في ذلك حكم عليه بما يراه فلذلك جعلت الطائفة الشريعة التزام العبودية فإن العبد محكوم عليه أبدا و أما قولهم بنسبة الفعل إليك فإنك إن لم تفعل ما يريده السيد منك و إلا فما وجب عليك الأخذ به و لذلك رفع القلم عمن لا عقل له و يكفي هذا القدر في علم الشريعة وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثالث و الستون و مائتان في معرفة الحقيقة»
و هي سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه أنه الفاعل بك فيك منك لا أنت مٰا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّٰ هُوَ آخِذٌ بِنٰاصِيَتِهٰا