الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٨ - رسالة إلى الشيخ عبد العزيز المهدوي
شمس الحقيقة قطبها و إمامها
سر العباد و عالم العلماء
عبد تسود وجهه من همه
نور البصائر خاتم الخلفاء
سهل الخلائق طيب عذب الجنى
غوث الخلائق أرحم الرحماء
جلت صفات جلاله و جماله
و بهاء عزته عن النظراء
يمضي المشيئة في البنين مقسما
بين العبيد الصم و الأجراء
ما زال سائس أمة كانت به
محفوظة الأنحاء و الأرجاء
شري إذا نازعته في ملكه
أرى إذا ما جئته لحباء
صلب و لكن لين لعفاته
كالماء يجري من صفا صماء
يغني و يفقر من يشاء فأمره
محيي الولاة و مهلك الأعداء
لا أنس إذ قال الإمام مقالة
عنها يقصر أخطب الخطباء
كنا بنا و رداء و صلى جامع
لذواتنا فإنا بحيث ردائي
فانظر إلى السر المكتم درة
مجلوة في اللجة العمياء
حتى يحار الخلق في تكييفها
عينا كحبرة عودة الإبداء
عجبا لها لم تخفها أصدافها
الشمس تنفي حندس الظلماء
فإذا أتى بالسر عبد هكذا
قيل اكتبوا عبدي من الأمناء
إن كان يبدي السر مستورا فما
تدري به أرضي فكيف سمائي
لما أتيت ببعض وصف جلاله
إذ كان عيي واقفا بحذائي
قالوا لقد ألحقته بإلهنا
في الذات و الأوصاف و الأسماء
فبأي معنى تعرف الحق الذي
سواك خلقا في دجى الأحشاء
قلنا صدقت و هل عرفت محققا
من موجد الكون الأعم سوائي
فإذا مدحت فإنما أثنى على
نفسي فنفسي عين ذات ثنائي
و إذا أردت تعرفا بوجوده
قسمت ما عندي على الغرماء
و عدمت من عيني فكان وجوده
فظهوره وقف على إخفائي
جل الإله الحق أن يبدو لنا
فردا و عيني ظاهر و بقائي
لو كان ذاك لكان فردا طالبا
متجسسا متجسسا لثنائي
هذا محال فليصح وجوده
في غيبتي عن عينه و فنائي
فمتى ظهرت إليكم أخفيته
إخفاء عين الشمس في الأنواء
فالناظرون يرون نصب عيونهم
سحبا تصرفها يد الأهواء
و الشمس خلف الغيم تبدي نورها
للسحب و الأبصار في الظلماء
فيقول قد بخلت علي و إنها
مشغولة بتحلل الأجزاء
لتجود بالمطر الغزير على الثرى
من غير ما نصب و لا إعياء
و كذاك عند شروقها في نورها
تمحو طوالع نجم كل سماء
فإذا مضت بعد الغروب بساعة
ظهرت لعينك أنجم الجوزاء
هذا لميتها و ذاك لحيها
في ذاتها و تقول حسن رآء
فخفاؤه من أجلنا و ظهوره
من أجله و الرمز في الأفياء