الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٢٢٦ - (الباب السابع و الثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين و أسرارهم)
في جنسهم كذلك نحن مع الأنبياء فيما يكون للاتباع من خرق العوائد ثم إن النبي صلى اللّٰه عليه و سلم ما مشى في الهواء إلا محمولا على البراق كالراكب و على الرفرف كالمحمول في المحفة فأظهر البراق و الرفرف صورة المقام الذي هو عليه في نفسه بأنه محمول في نفسه و نسبة أيضا إلهية من قوله تعالى اَلرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ و من قوله وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فالعرش محمول فهذا حمل كرامة بالحاملين و حال راحة و مجد و عز للمحمولين و قد قررنا لك في غير موضع أن المحمول أعلى من غير المحمول في هذا المقام و أمثاله و أنه لا حول و لا قوة إلا بالله مما اختص به الحملة و إن كان جميع الخلق محمولين و لكن لم يكشف ذلك الحمل لكل أحد و إن كان الحمل على مراتب حمل عن عجز و حمل عن حقيقة كحمل الأثقال و حمل عن شرف و مجد فالعناية بهذه الطائفة أن يكونوا محمولين ظاهرا كما هو الأمر في نفسه باطنا لتبريهم من الدعوى كما قررناه في بابه
[علامات العيسويين]
و للعيسويين همة فعالة و دعاء مقبول و كلمة مسموعة و من علامة العيسويين إذا أردت أن تعرفهم فتنظر كل شخص فيه رحمة بالعالم و شفقة عليه كان من كان و على أي دين كان و بأية نحلة ظهر و تسليم لله فيهم لا ينطقون بما تضيق الصدور له في حق الخلق أجمعين عند خطابهم عباد اللّٰه و من علامتهم أنهم ينظرون من كل شيء أحسنه و لا يجري على ألسنتهم إلا الخير و اشتركت في ذلك الطبقة الأولى و الثانية فالأولى مثل ما
روى عن عيسى ع أنه رأى خنزيرا فقال له أنج بسلام فقيل له في ذلك فقال أعود لساني قول الخير و أما الثانية
فإن النبي صلى اللّٰه عليه و سلم قال في الميتة حين مر عليها ما أحسن بياض أسنانها و قال من كان معه ما أنتن ريحها و
أن النبي صلى اللّٰه عليه و سلم و إن كان قد أمر بقتل الحيات على وجه خاص و أخبر أن اللّٰه يحب الشجاعة و لو على قتل حية و مع هذا فإنه كان بالغار في منى و قد نزلت عليه سورة و المرسلات و بالمرسلات يعرف الغار إلى الآن دخلته تبركا فخرجت حية و ابتدر الصحابة إلى قتلها فأعجزهم فقال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم إن اللّٰه وقاها شركم كما وقاكم شرها فسماه شرا مع كونه مأمورا به مثل قوله تعالى في القصاص وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا فسمى القصاص سيئة و ندب إلى العفو فما وقعت عينه صلى اللّٰه عليه و سلم إلا على أحسن ما كان في الميتة فهكذا أولياء اللّٰه لا ينظرون من كل منظورا لا أحسن ما فيه و هم العمي عن مساوي الخلق لا عن المساوي لأنهم مأمورون باجتنابها كما هم ضم عن سماع الفحشاء كما هم البكم عن التلفظ بالسوء من القول و إن كان مباحا في بعض المواطن هكذا عرفناهم فسبحان من اصطفاهم و اجتباهم و هداهم إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ فهذا مقام عيسى عليه السلام في محمد صلى اللّٰه عليه و سلم لأنه تقدمه بالزمان و نقلت عنه هذه الأحوال قال تعالى لنبيه صلى اللّٰه عليه و سلم حين ذكر في القرآن من ذكر من النبيين و عيسى في جملة من ذكر عليهم السلام أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ فَبِهُدٰاهُمُ اقْتَدِهْ و إن كان مقام الرسالة يقتضي تبيين الحسن من القبيح ليعلم كما قال تعالى لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ فإن بين السوء في حق شخص فبوحي من اللّٰه كما قال في شخص بئس أين العشيرة و الخضر قتل الغلام و قال فيه طبع كافر أو أخبر لو تركه بما يكون منه من السوء في حق أبويه و قال ما فعلت ذلك عن أمري فالذي للرجال من ذواتهم القول الحسن و النظر إلى الحسن و الإصغاء بالسمع إلى الحسن فإن ظهر منهم وقتا ما خلاف هذا من نبي أو ولي مرجوم فذلك عن أمر إلهي ما هو لسانهم فهذا قد ذكرنا من أحوال العيسويين ما يسره اللّٰه على لساني وَ اللّٰهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(الباب السابع و الثلاثون في معرفة الأقطاب العيسويين و أسرارهم)
فاعلم أيدك اللّٰه بروح القدس أن
القطب من ثبتت في الأمر أقدامه و العيسوى الذي يبديه قدامه
و العيسوى الذي يوما له رفعت بين النبيين في الإشهاد أعلامه
و جاءه من أبيه كل رائحة كالمسك في شمها بالوحي أعلامه
له الحياة فيحيي من يشاء بها فلا يموت و لا تفنيه أيامه
فلو تراه و قد جاءته آيته تسعى لتظهر في الأكوان أحكامه