الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٦٣٧ - الوصال في الأيام الستة من شوال
لله من قبل و من بعد فجاء مبنيا غير مضاف لعدم تقييده عز و جل بالقبل و البعد فهذا الذي ليوم عرفة ليس لغيره من الأزمان فقد تميز على جنسه و إن كان ثم أعمال هي أقوى منه في العمل و لكن ليست زمانية أي ما هي لعين الزمان غاية عاشوراء أن يكفر السنة التي قبله فتعلقه بالواقع و عرفة تعلقه بالواقع و غير الواقع فعاشوراء رافع و عرفة رافع و دافع فجمع بين الرفع و الدفع فناسب الحق فإن الحق يتعلق بالموجود حفظا و بالمعدوم إيجادا فكثرت المناسبة بين يوم عرفة و بين الأسماء الإلهية فترجح صومه في غير عرفة و إن كان له هذا الحكم في عرفة إلا إن فطره أعلى في عرفة من صومه لما قلنا و في الحكم الظاهر للاتباع و الاقتداء قال في الاتباع فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ و قال في الاقتداء لَقَدْ كٰانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و أفطر في هذا اليوم في عرفة
[اختلاف علماء الرسوم في صوم يوم عرفة في عرفة]
و إنما اختلف علماء الرسوم في صومه في عرفة لا في غيرها لمظنة المشقة فيها و الضعف عن الدعاء غالبا و الدعاء في هذا اليوم هو المطلوب من الحاج فإن أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة كالمسافر في رمضان في فطره فمن العلماء من اختار الفطر فيه للحاج و صيامه لغير الحاج للجمع بين الأثرين و قد قدمنا في أول الفصل الخبر المروي الصحيح في صيامه فنذكر إن النبي صلى اللّٰه عليه و سلم لم يصمه بعرفة رحمة بالناس الذين تدركهم المشقة في صيامه كذا توهم علماء الرسوم و الأمر على ما قلناه فإنه كان قادرا على صومه في نفسه و ينهى أمته عن صيامه بعرفة و مثل هذا وقع في الشرع كنكاح الهبة فهو له خاصة و هو حرام على الأمة بلا خلاف و كالوصال و إن جاز فعلى كراهة خرج مسلم عن أم الفضل أن الناس تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم فقال بعضهم هو صائم و قال بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن و هو واقف على بعيره فشربه قال تعالى وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ فالرحمة هنا عندنا إن أعلمهم أن الفطر في يوم عرفة في عرفة هي السنة و عند علماء الرسوم طلب الرفق و الحجة لنا في
قوله خذوا عني مناسككم فمنها عدم الصوم في ذلك الموضع في ذلك اليوم و الأمر لا يتوقف في الأخذ به إذا ورد معرى عما يخرجه عن الأخذ به
[حديث النهى عن صيام يوم عرفة في عرفة]
و أما حديث النهي عن صيام يوم عرفة في عرفة ففي إسناده مهدي بن حرب الهجري و ليس بمعروف
خرجه النسائي من حديثه عن أبي هريرة قال نهى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم عن صيام يوم عرفة بعرفة و أما
حديث الترمذي عن عقبة بن عامر قال قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم يوم عرفة و يوم النحر و أيام التشريق عيدنا أهل الإسلام و هي أيام أكل و شرب قال أبو عيسى حديث عقبة حديث حسن صحيح فكأنه يشير بهذا القول إلى ما قلناه و يشير إلى مقام المعرفة و العارف فإن مقام المعرفة لا يعطي الصوم إذ يعرف العارف الصوم لمن هو فكان يوم عيده يوم حصوله في هذا المقام و أيام العيد أيام سرور فأراد إن يسرى السرور ظاهرا و باطنا في النفس الناطقة بترك الصوم و في الحيوانية بالأكل و الشرب فجمع بين السرورين و لم يتعرض لتحريم الصوم في هذا الحديث و لكن قرنه بالصوم المحرم و هو يوم النحر و بالصوم المكروه و هو صوم أيام التشريق و أنه صلى اللّٰه عليه و سلم رجح الأكل و الشرب فيه في الظاهر و لم يتعرض للنهي عن ذلك و حرمنا صيام يوم عيد الأضحى بخبر غير هذا سأورده إن شاء اللّٰه ثم قوله صلى اللّٰه عليه و سلم في هذا الخبر أهل الإسلام و لم يقل أهل الايمان دل على مراعاة الظاهر هنا و لهذا قلنا إنه راعى النفس الحيوانية التي سرورها بالأكل و الشرب في يوم عيدها فاعلم ذلك
(وصل في فصل صيام الستة من شوال)
[حديث صيام الأيام الستة من شوال]
قد تقدم ذكر الخلاف في وقتها و في هذا الخبر عندي نظر لكون رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم لم يثبت الهاء في العدد أعني في الستة فقال و أتبعه ستا من شوال و هو عربي و الأيام مذكرة و الصوم لا يكون إلا في اليوم و هو النهار فلا بد من إثبات الهاء فيه فهذا سبب كون الحديث منكر المتن مع صحة طريق الخبر فيترجح عندي أنه اعتبر في ذلك الوصال فوصل صوم النهار بصوم الليل و الليلة مقدمة على النهار لأن النهار مسلوخ منها أو تكون لغة شاذة تكلم بها رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم في مجلس كان فيه من هذه لغته
[الوصال في الأيام الستة من شوال]
و مع هذا فمن استطاع الوصال في هذه الأيام الستة فهو أولى عملا بظاهر لفظ الخبر و الوصال لم يقع النهي عنه نهي تحريم و إنما راعى الشفقة و الرحمة في ذلك بظاهر الناس لئلا يتكلفوا