الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٥٦٠ - النفس مركبها البدن
الخير فيها فإن الأمر إذا كان بهذه المثابة يرجى أن يكون المال إلى خير و إن دخل النار فإن اللّٰه أجل و أعظم و أعدل من أن يعذب مكرها مقهورا و قد قال إِلاّٰ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ
[ارتباط النفس بالحواس و الجوارح]
و قد ثبت حكم المكره في الشرع و علم حد المكره الذي اتفق عليه و المكره الذي اختلف و هذه الجوارح من المكرهين المتفق عليهم أنهم مكرهون فتشهد هذه الأعضاء بلا شك على النفس المدبرة لها السلطانة عليها و النفس هي المطلوبة عند اللّٰه عن حدوده و المسئولة عنها و هي مرتبطة بالحواس و القوي لا انفكاك لها عن هذه الأدوات الجسمية الطبيعية العادلة الزكية المرضية المسموع قولها و لا عذاب للنفس إلا بوساطة تعذيب هذه الجسوم و هي التي تحس بالآلام المحسوسة لسريان الروح الحيواني فيها
[عذاب النفس]
و عذاب النفس بالهموم و الغموم و غلبة الأوهام و الأفكار الرديئة و ما ترى في رعيتها مما تحس به من الآلام و يطرأ عليها من التغييرات كل صنف بما يليق به من العذاب و قد أخبر بمآلها لإيمانها إلى السعادة لكون المقهور غير مؤاخذ بما جبر عليه و ما عذبت الجوارح بالألم إلا لإحساسها أيضا باللذة فيما نالته من حيث حيوانيتها فافهم فصورتها صورة من أكره على الزنا و فيه خلاف و النفس غير مؤاخذة بالهم ما لم تعمل ما همت به بالجوارح و النفس الحيوانية مساعدة بذاتها مع كونها من وجه مجبورة فلا عمل للنفوس إلا بهذه الأدوات و لا حركة في عمل للادوات إلا بالأغراض النفسية فكما كان العمل بالمجموع وقع العذاب بالمجموع ثم تفضي عدالة الأدوات في آخر الأمر إلى سعادة المؤمنين فيرتفع العذاب الحسي
[ارتفاع العذاب في آخر الأمر عن أهل الإيمان]
ثم يقضي حكم الشرع الذي رفع عن النفس ما همت به فيرتفع أيضا العذاب المعنوي عن المؤمن فلا يبقى عذاب معنوي و لا حسي على أحد من أهل الايمان و بقدر قصر الزمان في الدار الدنيا بذلك العمل لوجود اللذة فيه و أيام النعيم قصار تكون مدة العذاب على النفس الناطقة و الحيوانية الدراكة مع قصر الزمان المطابق لزمان العمل فإن أنفاس الهموم طوال فما أطول الليل على أصحاب الآلام و ما أقصره بعينه على أصحاب اللذات و النعيم فزمان الشدة طويل على صاحبه و زمان الرخاء قصير
(إفصاح)
و اعلم أن للزكاة نصابا و حولا أي مقدارا في العين و الزمان كذلك الاعتبار في زكاة الأعضاء لها مقدار في العين و الزمان فالنصاب بلوغ العين إلى النظرة الثانية فإنها المقصودة و الإصغاء إلى السماع الثاني و كذلك الثواني في جميع الأعضاء لأجل القصد و المقدار الزماني يصحبه فلنذكر ما يليق بهذا الباب مسألة مسألة على قدر ما يلقي اللّٰه عز و جل في الخاطر من ذلك و اللّٰه الموفق و الهادي إلى صراط مستقيم
(وصل في زكاة الحلي)
اختلف العلماء رضي اللّٰه عنهم في زكاة الحلي فمن قائل لا زكاة فيه و من قائل فيه الزكاة
(الاعتبار في ذلك)
الحلي ما يتخذ للزينة و الزينة مأمور بها قال اللّٰه تعالى يٰا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ و قال تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ و أضافها إليه ما أضافها إلى الدنيا و لا إلى الشيطان و الزكاة حق له و ما كان مضافا إليه لا يكون فيه حق له لأنه كله له فلا زكاة في زينة اللّٰه
[شرع اللّٰه للإنسان أن يستعين به في أفعاله]
و من اتخذه لزينة الحياة الدنيا و سلب عنه زينة اللّٰه أوجب فيه الزكاة و هو أن يجعل اللّٰه نصيبا فيه يحيي به ما أضاف منه إلى نفسه و يزكو و يتقدس كما شرع اللّٰه للإنسان أن يستعين بالله و يطلب العون منه في أفعاله التي كلفه سبحانه أن يعملها و هو العامل سبحانه لا هم فكذلك ينبغي أن يجعل الزكاة في زينة الحياة الدنيا و إن كانت زِينَةَ اللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ فأوجبوا الزكاة في تلك الزينة كما أوجبها من أوجبها في الحلي
(وصل في زكاة الخيل)
اختلفوا في الخيل فالجمهور على أنه لا زكاة في الخيل و قال قوم إذا كانت سائمة و قصد بها النسل ففيها الزكاة أعني إذا كانت ذكرنا و إناثا
(وصل الاعتبار في ذلك)
هذا النوع من الحيوان و أمثاله من جملة زينة اللّٰه قال تعالى وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغٰالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهٰا وَ زِينَةً و هي من زينة اَللّٰهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ ثم إنه من الحيوان الذي له الكر و الفر فهو أنفع حيوان يجاهد عليه في سبيل اللّٰه فالأغلب فيه أنه لله و ما كان لله فما فيه حق لله لأنه كله لله
[النفس مركبها البدن]
النفس مركبها البدن فإذا كان البدن في مزاجه و تركيب طبائعه بحيث أن يساعد النفس المؤمنة الطاهرة على ما تريد منه من الإقبال على طاعة اللّٰه و الفرار عن مخالفة اللّٰه كان لله و ما كان لله فلا حق فيه لله لأنه كله لله و إذا كان البدن يساعد