الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٦٠٨ - (وصل
و بين ما يظهر لأرباب العقول أصحاب النواميس الحكمية و المعلوم واحد و الطريق مختلف و صاحب الذوق يفرق بين الأمرين
(وصل في فصل زمان الإمساك)
اتفقوا على إن آخره غيبوبة الشمس و اختلفوا في أوله فمن قائل الفجر الثاني و هو المستطير و من قائل هو الفجر الأحمر الذي يكون بعد الأبيض و هو قول حذيفة و ابن مسعود و هو نظير الشفق الأحمر الذي يكون في أول الليل و الذي أقول به هو تبينه للناظر إليه حينئذ يحرم الأكل و هذا هو نص القرآن حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ يريد بياض الصبح و سواد الليل
(وصل الاعتبار في هذا)
غيبوبة الشمس هي انقضاء مدة حكم الاسم الإلهي رمضان في الصوم فإنه الذي شرع الصوم فانتهاء مدة حكمه في الصوم هو مغيب الشمس و إن كان اسم رمضان كما هو لم يزل عن ولايته فإن له حكما آخر فينا و هو القيام و تولي الحكم في المحل الذي كان موصوفا بالصيام الاسم الذي هو فاطر السموات و الأرض و لكن بتولية اسم رمضان إياه فهو النائب عنه كما أنه في الصوم رفيع الدرجات و ممسك السموات و الأرض أَنْ تَزُولاٰ أو أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاّٰ بِإِذْنِهِ
[رمزية الفجر الأبيض و الفجر الأحمر]
فأفطر الصائم و بقي حكمه مستمرا في القيام إلى الحد الذي يحرم فيه الأكل الاسم الإلهي رمضان فتولى الاسم الممسك و يبقى الاسم الفاطر واليا على المريض و المسافر و المرضع و الحامل و ذلك الحد هو الفجر الأبيض المستطير و هو الأولى من الفجر الأحمر إلا عند من يقول بفار التنور إنه الفجر كما إن الأخذ بالتواتر أولى من الأخذ بالخبر الواحد الصحيح و القرآن متواتر و هو القائل حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ فإن أصل الألوان البياض و السواد و ما عداهما من الألوان فبرازخ بينهما تتولد من امتزاج البياض و السواد فتظهر الغبرة و الحمرة و الخضرة إلى غير ذلك من الألوان فما قرب للبياض كانت كمية البياض فيه أكثر من كمية السواد و كذلك في الطرف الآخر و جاءت السنة في حديث حذيفة بالحمرة دون البياض فقال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع و هو محتمل و البياض المذكور في القرآن ليس بمحتمل فرجحنا الأبيض على الأحمر بوجهين قويين القرآن و عدم الاحتمال و اعتبارهما حكم الايمان و هو الأبيض فإنه مخلص لله غير ممتزج و الأحمر للنظر الاجتهادي و هو حكم العقل و نظر العقل ممتزج بالحس من طريق الخيال لأنه يأخذ عن الفكر عن الخيال عن الحس إما بما يعطيه و إما بما تعطيه القوة المصورة و هو قاطع مما يعطيه إلا أنه تدخل عليه الشبهة القادحة فلهذا أعطينا الشفق الأحمر لنظر المجتهد إذ الحمرة لون حدث من امتزاج البياض و السواد و هو امتزاج خاص
[الحق الظاهر و الخلق المظاهر]
و أما اعتبار التبين في قوله تعالى وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ و لا يتبين حتى يكون الطلوع و إليه أذهب في الحكم فلم يحرم الأكل مع حصول الطلوع في نفس الأمر لكن ما حصل البيان عند الناظر كذلك الحق و إن كان في نفس الأمر هو الظاهر في المظاهر الإمكانية لكن لم يتبين ذلك لكل أحد و كما عفا الشارع عن الآكل في أكله و أباح له الأكل مع تحقق طلوع الفجر في نفس الأمر لكن ما تبين له كذلك ما وقع من العبد الذي لا يعرف أن الحق هو الظاهر في المظاهر الإمكانية بأفعاله و أسمائه لا يؤاخذ بها من جهل ذلك حتى يتبين له الحق في ذلك فيكون على بصيرة في
قوله إذا أحببته كنت سمعه و بصره فكان العبد مظهر الحق و
قد ثبت أن اللّٰه قال على لسان عبده في الصلاة سمع اللّٰه لمن حمده فنسب القول إليه و اللسان للعبد الذي هو محل القول و اللسان مظهرا مكاني و كما يحرم على المكلف الأكل عند تبين الفجر كذلك يحرم على صاحب الشهود أن يعتقد أن ثم في الوجود غير اللّٰه فاعلا بل و لا مشهودا إذ كان قد عم في الحديث القوي و الجوارح و ما ثم إلا هذان
(وصل في فصل ما يمسك عنه الصائم)
أجمعوا على أنه يجب على الصائم الإمساك عن المطعوم و المشروب و الجماع و هذا القدر هو الذي ورد به نص الكتاب في قوله تعالى فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ... وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
(وصل
في الاعتبار في هذا)
أما المطعوم فهو علم الذوق و الشرب فالصائم على صفة لا مثل لها و من اتصف بما لا مثل له فحكمه إن لا مثل له و الذوق أول مبادي التجلي الإلهي فإذا دام فهو الشرب و الذوق نسبة تحدث عند الذائق إذا طعم المذوق