الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٤٩٧ - (وصل في فصل صلاة الكسوف)
ما في الوجود غيرنا
[فرحتا الصائم في غذائه الطبيعي و غذائه الروحي]
و لما رأينا فيما روينا أن اللّٰه أنزل لقاءه منزلة فطر الصائم
فقال للصائم فرحتان فرحة عند فطره لأنه غذاء طبيعته و هو الغذاء الحجابي إذ المغذي هو اللّٰه تعالى و فرحة عند لقاء ربه و هو غذاؤه الحقيقي الذي به بقاؤه فجعل هاتين الفرحتين للصائم في الحجاب و في رفع الحجاب فنظمنا في شرف الرغيف إذ هو الغذاء المعتاد عندنا و له الشكل الكري و هو أفضل الأشكال فخصصنا الرغيف بالذكر دون غيره من الأمور التي يكون بها الغذاء فقلنا فيما سخر اللّٰه في حقه من العالم و طلب الهمم كلها جهته لتصل إليه فإن كل حيوان يطلب غذاءه بلا شك بل كل موجود حتى ما لا يقال فقلنا
[الرغيف حجاب على المهيمن و اللطيف]
إذا عاينت ذا سير حثيث
فذاك السير في طلب الرغيف
لأن اللّٰه صيره حجابا
على اسميه المهيمن و اللطيف
به و له تجارات الذراري
و أرواح اللطائف و الكثيف
و تسخير العناصر و البرايا
و تكوين المعادن في الكهوف
و تسيير المثقفة الجواري
بموج البحر و الريح العسيف
و قطع مهامه فيح تباري
بها الأنعام بالسير العنيف
فمن شرف الرغيف يمين ربي
عليه للوضيع و للشريف
يضج الخلق إن عدموه وقتا
عن إذن الواحد البر الرءوف
له صلوا و صاموا و استباحوا
دم الكفار و البر العفيف
له تسعى الطيور مع المواشي
له يسعى القوي مع الضعيف
فمن ساع له من غير شك
و للسبب الثقيل أو الخفيف
هو المعنى و نحن إذا نظرنا
به عند التفكر كالحروف
هو الجود الذي ما فيه شك
فيا شوقي لذا الجود الظريف
فديتك من رغيف فيه سر
جلي بالتليد و بالطريف
فقل للمنكرين صحيح قولي
لقد غبتم عن المعنى الطريف
أ ليس اللّٰه صيره عديلا
لرؤيته على رغم الأنوف
[قيام رمضان بالليل و صيامه بالنهار]
فالصفة التي يقوم بها المصلي في صلاته في رمضان أشرف الصفات لشرف الاسم لشرف الزمان فأقام الحق قيامه بالليل مقام صيامه بالنهار إلا في الفرضية رحمة بعبده و تخفيفا و لهذا امتنع رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم أن يقومه بأصحابه لئلا يفترض عليهم فلا يطيقونه و لو فرض عليهم لم يثابروا عليه هذه المثابرة و لا استعدوا له هذا الاستعداد ثم الذين ثابروا عليه في العامة يؤدونه أشأم أداء و أنقصه لا يذكرون اللّٰه فيه إلا قليلا لا يتمون ركوعه و لا سجوده و لا يرتلون قراءته و ما سنه من سنه أعني من الاجتماع على قارئ واحد على ما هم الناس اليوم عليه من المتميزين من الخطباء و الفقهاء و أئمة المساجد و في مثل صلاتهم فيه
قال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم للرجل ارجع فصل فإنك لم تصل فمن عزم على قيام رمضان المسنون قيامه المرغب فيه فليقم كما شرع الشارع الصلاة من الطمأنينة و الخشوع و الوقار و تدبر ما يتلى و إلا تركه أولى و القيام فيه أول الليل كما قام رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم فيه في الليلتين أو الثلاثة منه أولى و يكون في المسجد أولى منه في البيت بخلاف سائر النوافل و إنما تركه رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه و سلم و دخل بيته و صلى فيه رحمة بأمته أن يفترض عليهم فيعجزوا عنه أن يتكاسلوا و هو كما قال تعالى وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ رَحْمَةً لِلْعٰالَمِينَ و قال بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ و الصلاة فيه مثنى مثنى كما
ورد في الخبر في صلاة الليل أنها مثنى مثنى
(وصل في فصل صلاة الكسوف)
و إنها سنة بالاتفاق و إنها في جماعة و اختلفوا في صفتها و القراءة فيها و الأوقات التي تجوز فيها و هل من شرطها