الـفتوحات المکیة - ابن عربي، محيي الدين - الصفحة ٦ - رسالة إلى الشيخ عبد العزيز المهدوي
موقوفة على رأس مهيعها خوفا من وضع الحكمة في غير موضعها ثم رددت من ذلك المشهد النومي العلي إلى العالم السفلي فجعلت ذلك الحمد المقدس خطبة الكتاب و أخذت في تتميم صدره ثم أشرع بعد ذلك في الكلام على ترتيب الأبواب و الحمد لله الغني الوهاب
[رسالة إلى الشيخ عبد العزيز المهدوي]
هذه رسالة كتبت بها أما بعد فإنه
لما انتهى للكعبة الحسناء جسمي و حصل رتبة الأمناء
و سعى و طاف و ثم عند مقامها صلى و أثبته من العتقاء
من قال هذا الفعل فرض واجب ذاك المؤمل خاتم النباء
و رأى بها الملأ الكريم و آدما قلبي فكان لهم من القرناء
و لآدم ولدا تقيا طائعا ضخم الدسيعة أكرم الكرماء
و الكل بالبيت المكرم طائف و قد اختفى في الحلة السوداء
يرخي ذلاذل برده ليريك في ذاك التبختر نخوة الخيلاء
و أبي على الملإ الكريم مقدم يمشي بأضعف مشية الزمناء
و العبد بين يدي أبيه مطرق فعل الأديب و جبرئيل إزائي
يبدي المعالم و المناسك خدمة لأبي ليورثها إلى الأبناء
فعجبت منهم كيف قال جميعهم بفساد والدنا و سفك دماء
إذ كان يحجبهم بظلمة طينة عما حوته من سنا الأسماء
و بدا بنور ليس فيه غيره لكنهم فيه من الشهداء
إن كان والدنا محلا جامعا للأولياء معا و للأعداء
و رأى المويهة و النويرة جاءتا كرها بغير هوى و غير صفاء
فبنفس ما قامت به أضداده حكموا عليه بغلظة و بذاء
و أتى يقول أنا المسبح و الذي ما زال يحمدكم صباح مساء
و أنا المقدس ذات نور جلالكم و أتوا في حق أبي بكل جفاء
لما رأوا جهة الشمال و لم يروا منه يمين القبضة البيضاء
و رأوا نفوسهم و عبيدا خشعا و رأوه ربا طالب استيلاء
لحقيقة جمعت له أسماء من خص الحبيب بليلة الإسراء
و رأوا منازعة اللعين بجنده يرنو إليه بمقلة البغضاء
و بذات والدنا منافق ذاته حظ العصاة و شهوتا حواء
علموا بأن الحرب حتما واقع منه بغير تردد و إباء
فلذاك ما نطقوا بما نطقوا به فأعذرهم فهم من الصلحاء
فطروا على الخير الأعم جبلة لا يعرفون مواقع الشحناء
و متى رأيت أبي و هم في مجلس كان الإمام و هم من الخدماء
و أعاد قولهم عليهم ربنا عدلا فأنزلهم إلى الأعداء
فحرابة الملإ الكريم عقوبة لمقالهم في أول الآباء
أو ما ترى في يوم بدر حربهم و نبينا في نعمة و رخاء
بعريشه متملقا متضرعا لإلهه في نصرة الضعفاء
لما رأى هذي الحقائق كلها معصومة قلبي من الأهواء