محك النظر - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٥ - حياة الغزالي وشخصيته
منطقيّة وضعها قبل عرض الأصول وجعلها مدخلا له. بل جعلها مقدّمة للعلوم كلّها فقال :
«وليست هذه المقدّمة من جملة علم الأصول ولا من مقدّماته الخاصّة به ، بل هي مقدّمة العلوم كلّها ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا ...» [١]. ويعتبر المستصفى نموذجا للمزجيّة ، يقول فيه : «إنّ أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع» [٢].
وتجدر الإشارة إلى أنّ الغزالي ألّف في الفقه قبل ذلك (المنخول وشفاء الغليل) ، لكنّ المنخول ليس سوى عرض لآراء فقهيّة وأصوليّة ، أخذ معظمها عن إمام الحرمين الجويني فقال : «هذا تمام القول في الكتاب ، وهو تمام المنخول من تعليق الأصول بعد حذف الفصول وتحقيق كلّ مسألة بماهيّة العقول ، مع الإقلاع عن التطويل والتزام ما فيه شفاء الغليل.
والاقتصار على ما ذكره إمام الحرمين رحمه اللّه في تعاليقه من غير تبديل وتزييد في المعنى وتعليل ...» [٣].
إذا اقتصر الفقه على النقل قبل المستصفى ، وقد صرّح بذلك الإمام قائلا : «والمختار إنّه لا يحتجّ به لأنّ العقل لا يحيل ذلك في المعقولات ، والشبهة مختلجة والقلوب مائلة إلى التقليد واتّباع الرجل المرموق فيه ، إذا قال قولا. هذا ممّا اختاره الإمام رحمه اللّه» [٤].
والقول المجمل : إنّ المسألة المنهجيّة اكتملت أكثر فأكثر بعد المرحلة الشكية ويتجلّى ذلك في المستصفى الذي جمع بين الرأي والسمع
[١] الغزالي ، المستصفى من علم الأصول ، ط أولى ، مصر ، المكتبة التجاريّة ، ج ١ ، ص ٧.
[٢] المصدر نفسه ، ص ٣.
[٣] الغزالي ، المنخول من تعليقات الأصول ، تحقيق محمد هيتو ، دمشق ، ١٩٧٠ ، ص ٥٠٤.
[٤] المرجع نفسه ، ص ٣١٦.