أضواء على التقيّة - الصدر، السيد علي - الصفحة ٩ - تمهيد

وقال الشيخ كاشف الغطاء : (من الأُمور التي يشنّع بها بعض الناس على الشيعة ، ويزدري عليهم بها : قولهم بالتقيّة .. جهلاً منهم بمعناها ، وبموقعها وحقيقة مغزاها.

ولو تثبتوا في الأمر وتريّثوا في الحكم وصبروا وتبصّروا لعرفوا أنّ التقيّة التي تقول بها الشيعة لا تختصّ بهم ، ولم ينفردوا بها.

بل هو أمر ضرورة العقل ، وعليه جبلّة الطباع ، وغرائز البشر.

وشريعة الاسلام في اسس أحكامها وجوهريات مشروعيتها تماشي العقل والعلم جنباً إلى جنب وكتفاً الى كتف ، رائدها العلم ، وقائدها العقل ولا تنفك عنهما قيد شعرة.

ومن ضرورة العقول وغرائز النفوس أن كل إنسان مجبول على الدفاع عن نفسه والمحافظة على حياته ، وهي أعز الأشياء عليها وأحبها إليه.

نعم قد يهون بذلها من سبيل الشرف وحفظ الكرامة ، وصيانة الحق ، ومهانة الباطل.

أمّا في غير امثال هذه المقاصد الشريفة والغايات المقدّمة فالتغرير بها وإلقاءها في مظان الهلكة ومواطن خطر تسفهُ وحماقة ، لا يرتضيه عقل ولا شرع ، وقد أجازت شريعة الاسلام المقدّسة للمسلم في مواطن الخوف على نفسه أو عرضه إخفاء الحق والعمل به سرّاً ريثما تنتصر دولة الحق وتغلب على الباطل ...

فتارة تجب التقيّة ؛ كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة.

واخرى تكون رخصة ؛ كما لو كان في تركها والتظاهر بالحق نوع تقوية له ، فله أن يضحّي بنفسه ، وله أن يحافظ عليها.

وثالثة يحرم العمل بها ؛ كما لو كان ذلك موجباً لرواج الباطل وإضلال الحق ، وإحياء الظلم والجور.

ومن هنا تتصاع لك شمس الحقيقة ضاحيةً ، وتعرف أن اللوم والتعبير بالتقية ـ إن كانت تستحق اللوم والتعيير ـ ليس على الشيعة ، بل على من سبلهم موهبة للحرية ، وألجأهم إلى العمل بالتقيّة).