الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٤٣٨ - احتجاجه ص فيما يتعلق بالإمامة و صفات من خصه الله تعالى بها و بيان الطريق إلى من كان عليها و ذم من يجوز اختيار الإمام و لؤم من غلا فيه و أمر الشيعة بالتورية و التقية عند الحاجة إليهما و حسن التأدب
فَنَظَرُوا إِلَى عَبْدٍ قَدِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِقُدْرَةٍ لِيُبَيِّنَ بِهَا فَضْلَهُ عِنْدَهُ وَ آثَرَهُ بِكَرَامَتِهِ لِيُوجِبَ بِهَا حُجَّتَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ لِيَجْعَلَ مَا آتَاهُ مِنْ ذَلِكَ ثَوَاباً عَلَى طَاعَتِهِ وَ بَاعِثاً عَلَى اتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَ مُؤَمِّناً عِبَادَهُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ غَلَطِ مَنْ نَصَبَهُ عَلَيْهِمْ حُجَّةً وَ لَهُمْ قُدْوَةً فَكَانُوا كَطُلَّابِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا يَنْتَجِعُونَ فَضْلَهُ وَ يُؤَمِّلُونَ نَائِلَهُ وَ يَرْجُونَ التَّفَيُّؤَ بِظِلِّهِ وَ الِانْتِعَاشَ بِمَعْرُوفِهِ وَ الِانْقِلَابَ إِلَى أَهْلِيهِمْ بِجَزِيلِ عَطَائِهِ الَّذِي يُعِينُهُمْ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا- وَ يُنْقِذُهُمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِدَنِيِّ الْمَكَاسِبِ وَ خَسِيسِ الْمَطَالِبِ فَبَيْنَا هُمْ يَسْأَلُونَ عَنْ طَرِيقِ الْمَلِكِ لِيَتَرَصَّدُوهُ وَ قَدْ وَجَّهُوا الرَّغْبَةَ نَحْوَهُ وَ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِرُؤْيَتِهِ إِذْ قِيلَ لَهُمْ سَيَطْلُعُ عَلَيْكُمْ فِي جُيُوشِهِ وَ مَوَاكِبِهِ وَ خَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَعْطُوهُ مِنَ التَّعْظِيمِ حَقَّهُ وَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْمَمْلَكَةِ وَاجِبَهُ وَ إِيَّاكُمْ أَنْ تُسَمُّوا بِاسْمِهِ غَيْرَهُ أَوْ تُعَظِّمُوا سِوَاهُ كَتَعْظِيمِهِ فَتَكُونُوا قَدْ بَخَسْتُمُ الْمَلِكَ حَقَّهُ وَ أَزْرَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ اسْتَحْقَقْتُمْ بِذَلِكَ مِنْهُ عَظِيمَ عُقُوبَتِهِ فَقَالُوا نَحْنُ كَذَلِكَ فَاعِلُونَ جُهْدَنَا وَ طَاقَتَنَا فَمَا لَبِثُوا أَنْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ عَبِيدِ الْمَلِكِ- فِي خَيْلٍ قَدْ ضَمَّهَا إِلَيْهِ سَيِّدُهُ وَ رَجِلٍ قَدْ جَعَلَهُمْ فِي جُمْلَتِهِ وَ أَمْوَالٍ قَدْ حَبَاهُ بِهَا فَنَظَرَ هَؤُلَاءِ وَ هُمْ لِلْمَلِكِ طَالِبُونَ فَاسْتَكْثَرُوا مَا رَأَوْهُ بِهَذَا الْعَبْدِ مِنْ نِعَمِ سَيِّدِهِ وَ رَفَعُوهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مِنَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِمَا وَجَدُوا مَعَهُ فَأَقْبَلُوا يُحَيُّونَهُ تَحِيَّةَ الْمَلِكِ وَ يُسَمُّونَهُ بِاسْمِهِ وَ يَجْحَدُونَ أَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ مَلِكٌ وَ لَهُ مَالِكٌ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمُ الْعَبْدُ الَمُنْعَمُ عَلَيْهِ وَ سَائِرُ جُنُودِهِ بِالزَّجْرِ وَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَ الْبَرَاءَةِ مِمَّا يُسَمُّونَهُ بِهِ وَ يُخْبِرُونَهُمْ بِأَنَّ الْمَلِكَ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ بِهَذَا عَلَيْهِ وَ اخْتَصَّهُ بِهِ وَ أَنَّ قَوْلَكُمْ مَا تَقُولُونَ يُوجِبُ عَلَيْكُمْ سَخَطَ الْمَلِكِ وَ عَذَابَهُ وَ يَفُوتُكُمْ كُلُّ مَا أَمَّلْتُمُوهُ مِنْ جِهَتِهِ وَ أَقْبَلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يُكَذِّبُونَهُمْ وَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ الْمَلِكُ لَمَّا وَجَدَ هَؤُلَاءِ قَدْ سَوَّوْا بِهِ عَبْدَهُ وَ أَزْرَوْا عَلَيْهِ فِي مَمْلَكَتِهِ وَ بَخَسُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ فَحَشَرَهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَى حَبْسِهِ وَ وَكَّلَ بِهِمْ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ لَمَّا وَجَدُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْداً أَكْرَمَهُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ فَضْلَهُ وَ يُقِيمَ حُجَّتَهُ فَصَغَّرُوا عِنْدَهُمْ خَالِقَهُمْ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ عَلِيّاً لَهُ عَبْداً وَ أَكْبَرُوا عَلِيّاً عَنْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ رَبّاً فَسَمَّوْا بِغَيْرِ اسْمِهِ فَنَهَاهُمْ هُوَ وَ أَتْبَاعُهُ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ وَ شِيعَتِهِ وَ قَالُوا لَهُمْ يَا هَؤُلَاءِ إِنَّ عَلِيّاً وَ وُلْدَهُ عِبادٌ مُكْرَمُونَ مَخْلُوقُونَ وَ مُدَبَّرُونَ- لَا يَقْدِرُونَ إِلَّا عَلَى مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَ لَا يَمْلِكُونَ إِلَّا مَا مَلَّكَهُمْ وَ لَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً وَ لَا قَبْضاً وَ لَا بَسْطاً وَ لَا حَرَكَةً وَ لَا سُكُوناً إِلَّا مَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ وَ طَوَّقَهُمْ وَ إِنَّ رَبَّهُمْ وَ خَالِقَهُمْ يَجِلُّ عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدَثِينَ وَ يَتَعَالَى عَنْ نَعْتِ الْمَحْدُودِينَ وَ إِنَّ مَنِ اتَّخَذَهُمْ أَوْ وَاحَداً مِنْهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَ قَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ*.
فَأَبَى الْقَوْمُ إِلَّا جِمَاحاً وَ امْتَدُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ* فَبَطَلَتْ أَمَانِيُّهُمْ وَ خَابَتْ مَطَالِبُهُمْ وَ بَقُوا فِي الْعَذَابِ.
وَ رَوَيْنَا أَيْضاً بِالْإِسْنَادِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ ع أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا ع قَالَ: إِنَّ مَنْ تَجَاوَزَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع الْعُبُودِيَّةَ فَهُوَ مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ مِنَ الضَّالِّينَ وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع: لَا تَتَجَاوَزُوا بِنَا الْعُبُودِيَّةَ ثُمَّ قُولُوا فِينَا مَا شِئْتُمْ وَ لَنْ تَبْلُغُوا وَ إِيَّاكُمْ وَ الْغُلُوَّ كَغُلُوِّ النَّصَارَى فَإِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْغَالِينَ-