مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٢١ - الشهيد يترجم نفسه

و من غريب ما اتفق لي تلك الليلة إن نمت يسيرا فرأيت في تلك الليلة كأني في حضرة شيخنا الجليل محمد بن يعقوب الكليني (رحمه الله)، و هو شيخ بهي جميل الوجه عليه أبهة العلم و نحوه نصف لمته بياض، و معي جماعة من أصحابي منهم رفيقي و صديقي الشيخ حسين بن عبد الصمد، فطلبنا من الشيخ أبي جعفر الكليني المذكور نسخة الأصل لكتابة الكافي لننسخه، فدخل البيت و أخرج لنا الجزء الأول منه في قالب نصف الورق الشّامي ففتحه فاذا هو بخط حسن معرّب مصحّح و رموزه مكتوبة بالذهب، فجعلنا نتعجب من كون نسخة الأصل بهذه الصفة، فسررنا بذلك كثيرا لما كنا قبل ذلك قد ابتلينا به من رداءة النسخ. فطلبت منه بقية الأجزاء فجعل يتألم من تقصير الناس في نسخ الكتاب و تصحيحه و قال: اشتغلوا بهذا الجزء إلى أن أجد لكن غيره. ثمَّ دخل الى بيته لتحصيل باقي الأجزاء ثمَّ خرج إلينا و بيده جزء بخط غيره على قالب الورق الشّامي الكامل و هو ضخم غير جيد الخط، فدفعه إلي و جعل يشتكي إلينا من كتابة كتابة بهذه الصّورة و يتألم من ذلك، و كان في المجلس الأخ الصالح الشيخ زين الدين الفقعاني نفعنا اللّه ببركته فقال: أنا عندي جزء آخر من نسخة الأصل على الوصف المتقدم و دفعه إليّ فسررت كثيرا، ثمَّ فتّش البيت و أخرج جزءا آخر الى تمام أربعة أجزاء أو أكثر بالوصف المتقدم، فسررنا بها و خرجنا بالأجزاء إلى الشيخ الجليل المصنّف و هو جالس في مكانه الأوّل، فلما جلسنا عنده أعدنا فيما بيننا و بينه ذكر نسخ الكتاب و تقصير الناس فيه، فقلت:

يا سيدنا بمدينة دمشق رجل من أصحابنا اسمه زين العابدين الغرابيلي قد نسخ كتابك هذا نسخة في غاية الجودة في ورق جيد و جعل الكتاب في مجلدين كل واحد بقدر كتاب الشّرائع، و هذه النسخة فخر على المخالف و المؤالف فتهلّل وجه الشيخ (رحمه الله) سرورا و أظهر الفرح و فتح يديه و دعا له بدعاء خفي لم أحفظ لفظه، ثمَّ انتبهت.

و انتهينا بعد أربعة أيام من اليوم المذكور إلى مدينة «ملطية» و هي مدينة