مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١٩ - الشهيد يترجم نفسه

و كان وصولنا إلى مدينة قسطنطنية يوم الاثنين، سابع عشر من شهر ربيع الأول من السنة السّابعة و هي سنة (٩٥٢)، و وفّق اللّه تعالى لنا منزلا حسنا وقفا من أحسن مساكن البلد قريبا إلى جميع أغراضنا، و بقيت بعد وصولي ثمانية عشر يوما لا اجتماع بأحد من الأعيان، ثمَّ اقتضى الحال ان كتبت في هذه الأيام رسالة جيدة تشتمل على عشرة مباحث جليلة، كلّ بحيث في فنّ من الفنون العقلية و الفقهية و التفسير و غيرها، و أوصلتها إلى قاضي العسكر و هو محمد بن قطب الدين بن محمد بن محمد بن قاضي زاده الرّومي، و هو رجل فاضل أديب عاقل لبيب، من أحسن الناس خلقا و تهذيبا و أدبا، فوقعت منه موقعا حسنا و حصل لي بسبب ذلك منه حظّ عظيم، و أكثر من تعريفي و الثناء عليّ، و اتفق في خلال المدة بيني و بينه مباحثة في مسائل كثيرة من الحقائق.

ففي اليوم الثاني عشر من اجتماعي به، أرسل اليّ الدفتر المشتمل على الوظائف و المدارس و بذل لي ما أختاره، و أكّد في كون ذلك في الشام أو في حلب، فاقتضى الحال أن اخترت منه المدرسة النورية ببعلبك لمصالح وجدتها و لظهور أمر اللّه تعالى بها على الخصوص، فأعرض لي بها إلى السلطان سليمان و كتب لي بها براءة و جعل لي لكل شهر ما شرطه واقفها السلطان نور الدين الشهيد، و اتفق من فضل اللّه و سبحانه و منّه لي في مدة إقامتي بالبلدة المذكورة من الألطاف الإلهيّة و الأسرار الربّانية و الحكم الخفيّة، ما يقصر عنه البيان، و يعجز عن تحريره البنان، و يكلّ عن تقريره اللّسان فللّه الحمد و المنة و الفضل و النعمة على هذا الشأن و نسأله أن يتمّ علينا منه الإحسان إنه الكريم الوهّاب المنّان.

و من غريب ما اتفق لي من نعم اللّه تعالى و فضله و كرمه وجوده زمان إقامتي بمدينة قسطنطنية، أن خرجت يوما مع الأصحاب و كان ذلك اليوم في شهر جمادي الأولى، لزيارة مشهد شريف هناك يسمونه «أبا أيوب الأنصاري الصحابي» و كان قد بنى عليه السلطان محمد مشهدا خارج البلد. فلما كنت في