مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١٧ - الشهيد يترجم نفسه

و سياق الفهم، لكن ما قدّر، لا تصل إليه الفكرة الكلية و المعرفة القليلة من أسرار الحقائق و أحوال العواقب. و الكيّس الماهر هو المستسلم في قبضة العالم الخبير القاهر، الممتثل لأوامره الشريفة، المنقاد إلى طاعته المنيفة، كيف لا و انّما يأمر بمصلحة تعود على المأمور مع اطلاعه على دقائق عواقب الأمور و هو الجواد المطلق و الرحيم المحقق. و الحمد للّه على انعامه و إحسانه و امتنانه، و الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره و لا يهمل من غفل عنه و لا يؤاخذ من صدف عن طاعته بل يقوده إلى مصلحته و يوصله إلى بغيته.

و كان الخروج إلى السّفر المذكور- بعد بوادر الأوامر به و النواهي عن تركه و التخلف عنه و تأخيره إلى وقت آخر- ثاني عشر شهر ذي الحجة الحرام سنة (٩٥١)، و أقمت بمدينة «دمشق» بقية الشّهر، ثمَّ ارتحلت إلى «حلب» و وصلت إليها يوم الأحد سادس عشر شهر المحرم سنة (٩٥٢)، و أقمت بها إلى السّابع من شهر صفر من السنة المذكورة.

و من غريب ما اتفق لنا بحلب، أنّا أزمعنا عند الدخول إليها على تخفيف الإقامة بها بكل ما أمكن و لم ننو الإقامة، فخرجت قافلة إلى الروم على الطريق المعهود المارّ بمدينة «أذنة» فاستخرنا اللّه على مرافقتها فلم يخر لنا، فكان قد تهيأ بعض طلبة العلم من أهل الروم إلى السفر على طريق «ملوقات» و هو طريق غير مسلوك غالبا لقاصد قسطنطنية، و ذكروا أنه قد تهيّأ قافلة للسّفر على الطريق المذكور، فاستخرنا الله تعالى على السّفر معهم، فأخار به فتأخّر سفرهم و ساءنا ذلك، فتفألت بكتاب اللّه تعالى على الصبر و انتظارهم، فظهر قوله تعالى:

وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لٰا تَعْدُ عَيْنٰاكَ عَنْهُمْ [١] فاطمأنّت النفس لذلك، و خرجت قافلة أخرى من طريق «أذنة» و أشار الأصحاب برفقتهم لما يظهر من مناسبتهم، فاستخرت اللّه تعالى


[١] الكهف: ٢٨.