مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١٨ - الشهيد يترجم نفسه

على صحبتهم، فلم يظهر خيرة، و تفألت بكتاب اللّه تعالى على انتظار الرفقة الاولى و ان تأخروا كثيرا، فظهر قوله تعالى وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ. فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ ثمَّ خرجت قافلة أخرى على طريق «أذنة» فاستخرت اللّه تعالى على الخروج معها فلم يظهر خيرة، فضقت لذلك ذرعا و سئمت الإقامة، و تفألت بكتاب اللّه تعالى في ذلك، فظهر قوله تعالى وَ اتَّبِعْ مٰا يُوحىٰ إِلَيْكَ وَ اصْبِرْ حَتّٰى يَحْكُمَ اللّٰهُ وَ هُوَ خَيْرُ الْحٰاكِمِينَ [١] ثمَّ خرجت قافلة رابعة على الطريق المذكور، فاستخرت اللّه تعالى على رفقتها، فلم يظهر خيرة. و كانت القافلة التي أمرنا بالسفر معها تسوّفنا بالسفر يوما و تكذب كثيرا في أخبارنا، ففتحت المصحف صبيحة يوم السبت و تفألت به فظهر قوله تعالى وَ تَتَلَقّٰاهُمُ الْمَلٰائِكَةُ هٰذٰا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [٢]. فتعجّبنا من ذلك غاية العجب و قلنا ان كانت القافلة تسافر في هذا اليوم فهو من أعجب الأمور و أغربها و أتمّ البشائر بالخير و التوفيق، فأرسلنا بعض أصحابنا يستعلم الخبر، فقالوا له: اذهب إلى أصحابك و احملوا «امتعتكم» ففي هذا اليوم نخرج. فحمدنا اللّه تعالى على هذه النعم العظيمة و المنن الجسيمة التي لا نقدر على شكرها.

ثمَّ بعد ذلك ظهر لاقامتنا بحلب تلك المدة فوائد و اسرار لا يمكن حصرها، و ظهر لسفرنا على الطريق المذكور أيضا فوائد و أسرار و خيرات لا تحصى، و أقلّها أنه بعد ذلك بلغنا ممّن سافر على تلك الطريق التي نهينا عنها أن علّيق الدواب و زاد الناس كان في غاية القلة و الصعوبة و الغلاء العظيم، حتى أنهم كانوا يشترون العلّيقة الواحدة بعشرة دراهم عثمانية، و احتاجوا مع ذلك إلى حمل الزّاد أربعة أيّام لعدم وجوده في الطريق، لا للدواب و لا للإنسان، فلو نسافر في تلك الطريق، لاتّجه علينا ضرر عظيم لا يوصف، بل لا يفي جميع ما كان بيدنا من المال بالصّرف في الطريق.


[١] يونس: ١٠٩.

[٢] الأنبياء: ١٠٣