الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٤٥٢ - احتجاج أبي الحسن علي بن محمد العسكري ع في شي ء من التوحيد و غير ذلك من العلوم الدينية و الدنياوية على المخالف و المؤالف
ثُمَّ قَالَ الْعَالِمُ ع بَعْدَ كَلَامٍ طَوِيلٍ فَأَمَّا التَّفْوِيضُ الَّذِي أَبْطَلَهُ الصَّادِقُ ع وَ خَطَّأَ مَنْ دَانَ بِهِ فَهُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَوَّضَ إِلَى الْعِبَادِ اخْتِيَارَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ أَهْمَلَهُمْ وَ هَذَا الْكَلَامُ دَقِيقٌ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى غَوْرِهِ وَ دِقَّتِهِ إِلَّا الْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيَّةُ ع مِنْ عِتْرَةِ آلِ الرَّسُولِ ص فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَوْ فَوَّضَ اللَّهُ أَمْرَهُ إِلَيْهِمْ عَلَى جِهَةِ الْإِهْمَالِ لَكَانَ لَازِماً لَهُ رِضَا مَا اخْتَارُوهُ وَ اسْتَوْجَبُوا بِهِ الثَّوَابَ وَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيمَا اجْتَرَمُوا الْعِقَابَ إِذْ كَانَ الْإِهْمَالُ وَاقِعاً وَ تَنْصَرِفُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْعِبَادُ تَظَاهَرُوا عَلَيْهِ فَأَلْزَمُوهُ اخْتِيَارَهُمْ بِآرَائِهِمْ ضَرُورَةً كَرِهَ ذَلِكَ أَمْ أَحَبَّ فَقَدْ لَزِمَهُ الْوَهْنُ أَوْ يَكُونُ جَلَّ وَ تَقَدَّسَ عَجَزَ عَنْ تَعَبُّدِهِمْ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ عَنْ إِرَادَتِهِ فَفَوَّضَ أَمْرَهُ وَ نَهْيَهُ إِلَيْهِمْ وَ أَجْرَاهُمَا عَلَى مَحَبَّتِهِمْ إِذْ عَجَزَ عَنْ تَعَبُّدِهِمْ بِالْأَمْرِ وَ النَّهْيِ عَلَى إِرَادَتِهِ فَجَعَلَ الِاخْتِيَارَ إِلَيْهِمْ فِي الْكُفْرِ وَ الْإِيمَانِ وَ مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً ابْتَاعَهُ لِيَخْدُمَهُ وَ يَعْرِفَ لَهُ فَضْلَ وَلَايَتِهِ وَ يَقِفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ ادَّعَى مَالِكُ الْعَبْدِ أَنَّهُ قَاهِرٌ قَادِرٌ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَأَمَرَ عَبْدَهُ وَ نَهَاهُ وَ وَعَدَهُ عَلَى اتِّبَاعِ أَمْرِهِ عَظِيمَ الثَّوَابِ وَ أَوْعَدَهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ أَلِيمَ الْعِقَابِ فَخَالَفَ الْعَبْدُ إِرَادَةَ مَالِكِهِ وَ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ فَأَيُّ أَمْرٍ أَمَرَهُ بِهِ أَوْ نَهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَأْتَمِرْ عَلَى إِرَادَةِ الْمَوْلَى بَلْ كَانَ الْعَبْدُ يَتَّبِعُ إِرَادَةَ نَفْسِهِ وَ بَعَثَهُ فِي بَعْضِ حَوَائِجِهِ وَ فِيمَا الْحَاجَةُ لَهُ فَصَارَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ تِلْكَ الْحَاجَةِ خِلَافاً عَلَى مَوْلَاهُ وَ قَصَدَ إِرَادَةَ نَفْسِهِ وَ اتَّبَعَ هَوَاهُ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَوْلَاهُ نَظَرَ إِلَى مَا أَتَاهُ فَإِذَا هُوَ خِلَافُ أَمْرِهِ فَقَالَ الْعَبْدُ اتَّكَلْتُ عَلَى تَفْوِيضِكَ الْأَمْرَ إِلَيَّ فَاتَّبَعْتُ هَوَايَ وَ إِرَادَتِي لِأَنَّ الْمُفَوَّضَ إِلَيْهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ التَّفْوِيضِ وَ التَّحْظِيرِ ثُمَّ قَالَ ع إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وَ مَلَّكَهُمُ اسْتِطَاعَةَ مَا تَعَبَّدَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ قَبِلَ مِنْهُمُ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ رَضِيَ بِذَلِكَ لَهُمْ وَ نَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَ ذَمَّ مَنْ عَصَاهُ وَ عَاقَبَهُ عَلَيْهَا وَ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ فِي الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ يَخْتَارُ مَا يُرِيدُهُ وَ يَأْمُرُ بِهِ وَ يَنْهَى عَمَّا يَكْرَهُ وَ يُثِيبُ وَ يُعَاقِبُ بِالاسْتِطَاعَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا عِبَادَهُ لِاتِّبَاعِ أَمْرِهِ وَ اجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ لِأَنَّهُ الْعَدْلُ وَ مِنْهُ النَّصَفَةُ وَ الْحُكُومَةُ بَالَغَ الْحُجَّةَ بِالْإِعْذَارِ وَ الْإِنْذَارِ وَ إِلَيْهِ الصَّفْوَةُ يَصْطَفِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ اصْطَفَى مُحَمَّداً ص وَ بَعَثَهُ بِالرِّسَالَةِ إِلَى خَلْقِهِ وَ لَوْ فَوَّضَ اخْتِيَارَ أُمُورِهِ إِلَى عِبَادِهِ لَأَجَازَ لِقُرَيْشٍ اخْتِيَارَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَ أَبِي مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ إِذْ كَانَا عِنْدَهُمْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ ص لَمَّا قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ[١] يَعْنُونَهُمَا بِذَلِكَ فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ بِجَبْرٍ وَ لَا تَفْوِيضٍ بِذَلِكَ أَخْبَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ع حِينَ سَأَلَهُ عتابة [عَبَايَةُ] بْنُ رِبْعِيٍّ الْأَسَدِيُّ عَنِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ تَمْلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْ مَعَ اللَّهِ فَسَكَتَ عتابة [عَبَايَةُ] بْنُ رِبْعِيٍّ فَقَالَ لَهُ قُلْ يَا عتابة [عَبَايَةُ] قَالَ وَ مَا أَقُولُ قَالَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا مَعَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ وَ إِنْ قُلْتَ تَمْلِكُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ قَتَلْتُكَ قَالَ وَ مَا أَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ تَقُولُ تَمْلِكُهَا بِاللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُهَا مِنْ دُونِكَ فَإِنْ مَلَّكَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ عَطَائِهِ وَ إِنْ سَلَبَكَهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَلَائِهِ وَ هُوَ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَكَ وَ الْمَالِكُ لِمَا عَلَيْهِ أَقْدَرَكَ أَ مَا سَمِعْتَ النَّاسَ يَسْأَلُونَ الْحَوْلَ وَ الْقُوَّةَ حَيْثُ
[١] الزخرف- ٢١.