الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٤٠٤ - احتجاج أبي الحسن علي بن موسى الرضا ع في التوحيد و العدل و غيرهما على المخالف و المؤالف و الأجانب و الأقارب
وَ جَلَّ يَقُولُ- لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ[١] وَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ[٢] وَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَ وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ[٣] وَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَ خالِدِينَ فِيها[٤] وَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَ وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ[٥] فَلَمْ يُحِرْ جَوَاباً- ثُمَّ قَالَ الرِّضَا ع أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْإِرَادَةِ فِعْلٌ أَمْ هِيَ غَيْرُ فِعْلٍ؟ قَالَ بَلْ هِيَ فِعْلٌ قَالَ فَهِيَ مُحْدَثَةٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ كُلَّهُ مُحْدَثٌ قَالَ لَيْسَتْ بِفِعْلٍ قَالَ فَمَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَزَلْ قَالَ سُلَيْمَانُ إِنَّ الْإِرَادَةَ هِيَ الْأَشْيَاءُ قَالَ يَا سُلَيْمَانُ هَذَا الَّذِي عِبْتُمُوهُ عَلَى ضِرَارٍ وَ أَصْحَابِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ كُلَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي سَمَاءٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ بَحْرٍ أَوْ بَرٍّ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ قِرْدٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ دَابَّةٍ إِرَادَةُ اللَّهِ وَ إِنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ تَحْيَا وَ تَمُوتُ وَ تَذْهَبُ وَ تَأْكُلُ وَ تَشْرَبُ وَ تَنْكِحُ وَ تَلِدُ وَ تَظْلِمُ وَ تَفْعَلُ الْفَوَاحِشَ وَ تَكْفُرُ وَ تُشْرِكُ فَتَبَرَّأُ مِنْهَا وَ تُعَادِيهَا وَ هَذَا حَدُّهَا قَالَ سُلَيْمَانُ إِنَّهَا كَالسَّمْعِ وَ الْبَصَرِ وَ الْعِلْمِ قَالَ الرِّضَا ع فَكَيْفَ نَفَيْتُمُوهُ؟ فَمَرَّةً قُلْتُمْ لَمْ يُرِدْ وَ مَرَّةً قُلْتُمْ أَرَادَ وَ لَيْسَتْ بِمَفْعُولٍ لَهُ قَالَ سُلَيْمَانُ إِنَّمَا ذَلِكَ كِقَوْلِنَا مَرَّةً عَلِمَ وَ مَرَّةً لَمْ يَعْلَمْ قَالَ الرِّضَا ع لَيْسَ ذَلِكَ سَوَاءً لِأَنَّ نَفْيَ الْمَعْلُومِ لَيْسَ ينفي [بِنَفْيِ] الْعِلْمِ وَ نَفْيُ الْمُرَادِ نَفْيُ الْإِرَادَةِ أَنْ تَكُونَ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يُرَدْ لَمْ تَكُنْ إِرَادَةٌ وَ قَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ ثَابِتاً وَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْلُومُ بِمَنْزِلَةِ الْبَصَرِ فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ بَصِيراً وَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُبْصَرُ وَ يَكُونُ الْعِلْمُ ثَابِتاً وَ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْلُومُ فَلَا يَزَالُ سُلَيْمَانُ يُرَدِّدُ الْمَسْأَلَةَ وَ يَنْقَطِعُ فِيهَا وَ يَسْتَأْنِفُ وَ يُنْكِرُ مَا كَانَ أَقَرَّ بِهِ وَ يُقِرُّ بِمَا أَنْكَرَ وَ يَنْتَقِلُ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ وَ الرِّضَا ص يَنْقُضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى طَالَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا- وَ ظَهَرَ لِكُلِّ أَحَدٍ انْقِطَاعُهُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً تَرَكْنَا إِيرَادَ ذَلِكَ مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ قَالَ سُلَيْمَانُ إِنَّ الْإِرَادَةَ هِيَ الْقُدْرَةُ قَالَ الرِّضَا ع وَ هُوَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يُرِيدُ أَبَداً وَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ[٦] فَلَوْ كَانَتِ الْإِرَادَةُ هِيَ الْقُدْرَةَ كَانَ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ لِقُدْرَتِهِ فَانْقَطَعَ سُلَيْمَانُ وَ تَرَكَ الْكَلَامَ عِنْدَ هَذَا الِانْقِطَاعِ ثُمَّ تَفَرَّقَ الْقَوْمُ.
[١] ق- ٣٥.
[٢] هود- ١٠٩.
[٣] الحجر- ٤٨.
[٤] البقرة- ١٦٢.
[٥] الواقعة- ٣٣.
[٦] الإسراء- ٨٦.