معجم مقائيس اللغة - ابن فارس - الصفحة ٢٣ - حذقه باللغة و تأليفه كتاب المقاييس
من جنس العلم الذي يتعاطاه، فإن وجده بارعاً جَدِلًا جَرَّه في المجادلة إلى اللغة فيغلبه بها. و كان يحثُّ الفقهاء دائماً على معرفة اللغة، و يلقى عليهم مسائل ذكرها فى كتاب سماه فتيا فقيه العرب، و يخجلهم بذلك؛ ليكون خجلهم داعياً إلى حفظ اللغة. و يقول: من قصر علمه فى اللغة و غولط غلط».
حذقه باللغة و تأليفه كتاب المقاييس:
على أن ابن فارس في كتابِه هذا «المقاييس»، قد بلغ الغاية في الحذق باللغة، و تكنُّه أسرارها، و فهم أصولها؛ إذ يردُّ مفرداتِ كلِّ مادة من مواد اللغة إلى أصولها المعنوية المشتركة فلا يكاد يخطئه التوفيق. و قد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف، لم يسبقه أحدٌ و لم يخلُفْه أحَد. و أرى أن صاحبَ الفضل في الإيحاء إليه بهذه الفكرة العبقرية هو الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد [١]؛ إذ حاول في كتاب «الاشتقاق» أن يرد أسماء قبائل العرب و عمائرها، و أفخاذها و بطونها، و أسماء ساداتها و ثُنيانها، و شعرائها و فرسانها و حكامها، إلى أصول لغوية اشتُقَّت منها هذه الأسماء. و يقول ابن دريد في مقدِّمة الاشتقاق: «و لم نتَعدَّ ذلك إلى اشتقاق أسماء صنوف النامى من نبات الأرض نجمِها و شجرِها و أعشابها و لا إلى الجماد من صخرها و مَدَرها و حَزْنها و سهلها؛ لأنا إن رُمْنا ذلك احتجنا إلى اشتقاق الأصول التى تشتق منها. و هذا ما لا نهاية له».
و مما هو بالذكر جدير، أن ابن فارسٍ كان يتأسّى بابن دريد في حياته العلمية و الأدبية و التأليفية، و هو بلا ريب قد اطَّلع على هذه الإشارة من ابن دريد،
[١] ولد ابن دريد بالبصرة سنة ٢٢٣ و توفى بعمان سنة ٣٢١.