معجم مقائيس اللغة - ابن فارس - الصفحة ٢٢ - ولوعه باللغة
و الناظر في كتاب المقاييس، يلمس من ابن فارس حرصَه على إيراد الصَّحيح من اللغات، و يري أيضا صدق تحرّيه، و تحرّجَه من إثبات ما لم يصحّ. و هو مع كثرة اعتماده على ابن دريد، ينقد بعض ما أورده في كتابه «الجمهرةِ» من اللغات، و يضعه على محك امتحانه و توثيقه، فإذا فيه الزيف و الرَّيب [١].
ولوعه باللغة:
و قد بلغ من حبه للغة و عشقه لها، أن ألَّف فيها ضروباً من التأليف، و كان يستحث عزيمة معاصريه من الفقهاء أن ينهضوا بتعرُّف اللغة و التبحر فيها، و ألف لهم فناً من الإلغاز سماه «فتيا فقيه العرب»، يضع لهم مسائل الفقه و نحوَها فى معرض اللغة. و لعل الإمام الشافعى أول من عرف بهذا الضرب من المعاياة اللغوية الفقهية [٢].
قال السيوطى، عند الكلام على فتيا فقيه العرب: «و قد ألف فيه ابن فارس تأليفاً لطيفاً في كراسة، سماه بهذا الاسم. رأيته قديماً و ليس هو عندى الآن».
و قد أجمع المترجمون لابن فارس على أن الحريرى في المقامة الثانية و الثلاثين (الطَّيْبيَّة) قد اقتبس من ابن فارسٍ ذلك الأسلوب، فى وضع المسائل الفقهية بمعرض اللغة.
و يصوِّر لنا القفطى في إنباه الرواة صدق دعوته للغة بقوله: «و إذا وجد فقيهاً، أو متكلماً، أو نحوياً، كان يأمر أصحابه بسؤالهم إياه، و يناظره في مسائل
[١] انظر المقاييس (جعم ٤٦١ س ١٠- ١١، ٤٦٢ س ١- ٢) و (حلز س ١- ٢) و ص ٤٦٤ س ٥- ٦.
[٢] انظر نماذج شتى من فتياه في نهاية الجزء الأول من مزهر السيوطى. على أن من أقدم من ألف في فن الإلغاز اللغوى، ابن دريد، و كتابه «الملاحن» قد طبع في القاهرة ١٣٤٧ بالمطبعة السلفية.