معجم مقائيس اللغة - ابن فارس - الصفحة ١٧ - رأيه في النقد
و أفكار هذا العصر. على أن ذلك لو رامه رائم لأتعبه، و لو فعله لقرأتَ ما لم ينحط عن درجة من قبله، مِن جدٍّ يروعك، و هزل يروقك، و استنباط يعجبك، و مزاحٍ يُلهيك.
و كان بقزوين رجل معروف بأبى حامد الضرير القزوينى، حضر طعاما و إلى جنبه رجل أكون، فأحسَّ أبو حامد بجودة أكله فقال:
و صاحب لى بطنه كالهاويه * * * كأن في أمعائه معاويه [١]
فانظر إلى و جازة هذا اللفظ، وجودة وقوع الأمعاء إلى جنبِ معاوية.
و هل ضر ذلك أن لم يقله حماد عجرد و أبو الشمقمق. و هل في إثبات ذلك عار على مثبته، أو في تدوينه و صمة على مدوِّنه.
و بقزوين رجل يعرف بابن الرياشى القزوينى، نظر إلى حاكم من حكامها من أهل طبرستان مقبلا، عليه عمامة سوداء و طيلسان أزرق، و قميص شديد البياض، و خُفٌّ أحمر، و هو مع ذلك كله قصير، على برذون أبلقَ هزيل الخلق، طويل الحلق، فقال حين نظر إليه:
و حاكمٍ جاء على أبلقِ * * * كعَقعَقٍ جاء على لَقلقِ
فلو شهدت هذا الحاكم على فرسه لشهدتَ للشاعر بصحَّة التشبيه وجودة التمثيل، و لعلمت أنه لم يقصر عن قول بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسهم * * * و أسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فما تقول لهذا. و هل يَحسن ظلمه، فى إِنكار إِحسانه، و جحود تجويده.
و أنشدنى الأستاذ أبو على محمد بن أحمد بن الفضل، لرجل بشيراز يعرف
[١] المعاوية: الكلبة التى تعاوى الكلاب و تنابحها، و بها سمى الرجل.