الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٢٦٣ - ذكر ثناء علي رضى اللّه عنه عليه عند وفاته
كنت خليفة حقا لم تنازع و لم تصدع بزعم المنافقين و كبت الكافرين و كره الحاسدين و غيظ الباغين و قمت بالأمر حين فشلوا و ثبت إذ تتعتعوا و مضيت بنور اللّه إذ وقفوا فاتبعوك فهدوا و كنت أخفضهم صوتا و أعلاهم فوقا و أمثلهم كلاما و أصوبهم منطقا و أطولهم صمتا و أبلغهم قولا و أشجعهم نفسا و أعرفهم بالأمور و أشرفهم عملا كنت و اللّه للدين يعسوبا و لا حين نفر عنه الناس و آخرا حين أقبلوا كنت للمؤمنين أبا رحيما حين صاروا عليك عيالا فحملت أثقال ما ضعفوا و وعيت ما أهملوا و حفظت ما أضاعوا و علمت ما جهلوا شمرت إذ خفضوا و صبرت إذ جزعوا فأدركت أوتار ما طلبوا و راجعوا رشدهم برأيك فظفروا و نالوا بك ما لم يحتسبوا كنت على الكافرين عذابا صبا و لهبا و للمؤمنين رحمة و أنسا و حصنا فطرت و اللّه بغنائها و فزت بحبائها و ذهبت بفضائلها و أدركت سوابقها لم تقلل حجتك و لم تضف بصيرتك و لم تجبن نفسك و لم يرع قلبك و لم يخر كنت كالجبل الذي لا تحركه القواصف و لا تزيله العواصف و كنت كما قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أمن الناس علينا في صحبتك و ذات يدك و كنت كما قال ضعيفا في بدنك قويا في أمر اللّه متواضعا في نفسك عظيما عند اللّه جليلا في أعين الناس كبيرا في أنفسهم لم يكن لأحد فيك مغمز و لا لقائل فيك مهمز و لا لأحد فيك مطمع و لا لمخلوق عندك هوادة الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ بحقه و القوي عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق القريب و البعيد عندك في ذلك سواء أقرب الناس إليك أطوعهم للّه و أتقاهم له شأنك الحق و الصدق و الرفق قولك حكم و حتم و أمرك حلم و حزم و رأيك علم و عزم فأقلعت و قد نهج السبيل و سهل العسير و أطفيت النيران و اعتدل بك الدين و قوي بك الإيمان و ثبت الإسلام و المسلمون و ظهر أمر اللّه و لو كره الكافرون فسبقت و اللّه سبقا بعيدا و أتعبت من بعدك إتعابا شديدا و فزت بالخير فوزا مبينا فجللت عن البكاء و عظمت رزيتك في السماء و هدت مصيبتك الأنام فإنا للّه و إنا إليه راجعون رضينا عن اللّه قضاؤه