الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٤٣٢ - الباب التاسع عشر في أفعال رسول الله ( ص ) وفى الشئ يراه أو يبلغه فيقره صامتا عليه لا يأمر به ولا ينهى عنه
الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، ثم أخبر عليه السلام أنه قد هم بحرق بيوت المتخلفين علمنا بالنص المذكور أن ذلك حق واجب إنفاذه ، إذ قد نص أنه لا يستبيح دما ولا مالا إلا بحق ، والحق فرض ما لم يأت دليل على أنه إباحة .
قال أبو محمد : قد قلنا : إن القائلين بأن أفعاله عليه السلام على الوجوب هم أشد الناس خلافا لهذا الأصل الفاسد ، فإن المالكيين يقولون إن خطبة الامام يوم الجمعة خطبتين قائما يجلس بينهما ليست فرضا ، وإنما الفرض خطبة واحدة ، وما روي قط أن النبي صلى الله عليه وسلم خط ب إلا خطبتين قائما يجلس بينهما ، فلم يروا فعله عليه السلام ههنا على الوجوب .
ويقولون : إن ترتيب الوضوء ليس فرضا ، ولا شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتب وضوءه ولا ينكسه ، لا يشك مسلم في ذلك .
ويرون أن الصلاة للصبح بمزدلفة ليس فرضا ، ولا يبطل حج من تركه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صلاها هناك ، وآذن أن من لم يدركها هنالك فلا حج له ، ويرون أن من صلى المغرب قبل مزدلفة ليلة النحر فصلاته تامة ورسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها إلى المزدلفة فلم يصلها إلا فيها ، ولا يرون رمي جمرة العقبة فرضا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد رماها ، ولا يرون الضجعة بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح فرضا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعلها دائما عليها مواظبا لها ، وكذلك فقهاء المدينة السبعة ، وأهل المدينة ، وكل هذه المسائل فجماهير الصحابة والتابعين والفقهاء يرونها فرضا وإنما أتينا بهذه المسائل لئلا يدعو إجماعا على أنها ليست فرضا ، ومثل هذا لو تتبع كثير ، وبالله تعالى التوفيق .
قال أبو محمد : فإن تعارض فعل وقول ، مثل أن يحرم عليه السلام شيئا ثم يفعله ، فإن هذا إن علمنا أن الفعل كان بعد القول فهو نسخ له ، وبيان أن حكم