الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٣٩٧ - الباب الخامس عشر في الاستثناء
قال علي : والجمع بلفظ المعرفة والنكرة سواء في اقتضاء الاستيعاب ، كقوله تعالى : * ( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) * فهذا عموم لكل قوم لا يؤمنون ، وهو بلفظ النكرة كما ترى ، وقد ظن قوم أن الجمع إذا جاء بلفظ النكرة فإنه لا يوجب العموم ، فقالوا : قولك جاء رجال لا يفهم منه العموم ، كما يفهم من قولك جاء الرجال .
قال علي : وهذا ظن فاسد لا دليل عليه ، وإنما هو ألفه لما وقع في أنفسهم في عادات سواء استعملوها في تخاطبهم ، وبخلاف معهود اللغة في الحقيقة ، وقد أبطلنا ذلك بالآية التي ذكرنا آنفا ، وبالله تعالى التوفيق .
الباب الخامس عشر في الاستثناء قال علي : قد بينا في باب الاخبار وفي باب العموم والخصوص كيفية الاستثناء ، ونحن الآن متكلمون - إن شاء الله عز وجل بتأييده لنا - في ماهية الاستثناء وأنواعه ، فنقول وبالله تعالى التوفيق .
إن الاستثناء هو تخصيص بعض الشئ من جملته ، أو إخراج شئ ما مما أدخلت فيه شئ آخر ، إلا أن النحويين اعتادوا أن يسموا بالاستثناء ما كان من ذلك بلفظ : حاشا ، وخلا ، وإلا ، وما لم يكن ، وما عدا ، وما سوى ، وأن يجعلوا ما كان خبرا من خبر كقولك : اقتل القوم ودع زيدا ، مسمى باسم التخصيص لا استثناء ، وهما في الحقيقة سواء على ما قدمنا .
قال علي : واختلفوا في نحو من أنحاء الاستثناء ، فقالت طائفة : لا يجوز أن يستثنى الشئ من غير جنسه أو نوعه المخبر عنه ، وقالت طائفة : جائز أن يستثنى الشئ من غير جنس أو المخبر عنه ، وبكلا هذين القولين قالت طوائف من أصحابنا الظاهرين ، ومن إخواننا القياسيين .
قال علي : ونحن نقول : إن استثناء الشئ من غير جنسه ونوعه المخبر عنه جائز ، واسمه في العربية عند النحويين الاستثناء المنقطع ، وهو حينئذ ابتداء خبر آخر كقائل قال : أتاني المسلمون إلا اليهود ، فهذا جائز كأنه قال : إلا اليهود فإنهم لم يأتوني ،