الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٤٠٣ - فصل واختلفوا في نوع من الاستثناء
لم يفرض عليه قيام الليل كله ، وإنما فرض عليه القيام في الليل ، وهذا البدل يحل محل المبدل منه فالمفهوم أنه قال تعالى : قم الليل إلا نصفه ، ثم زادنا الله تعالى فائدة عظيمة ، وهي أن النصف قليل بالإضافة إلى الكل .
قال علي : فإن قال قائل : كيف تحتجون بهذا وأنتم تقولون إن قيام أكثر من ثلث الليل لا يجوز ؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إنه لا قيام فوق داود ، وكان يقوم ثلث الليل بعد أن ينام نصفه ثم ينام سدسه ؟ قيل له وبالله تعالى التوفيق :
معنى قوله تعالى : * ( قم الليل إلا قليلا ) * إنما هو - والله أعلم - إعلام بوقت القيام لا بمقدار القيام ، ليتفق معنى الآية والحديث ، فكل من عند الله تعالى وما كان من عنده تعالى فلا اختلاف فيه . قال الله عز وجل : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) * فصح أن معنى قوله تعالى : * ( قم الليل إلا قليلا ) * قم في الليل إلا في قليل في نصفه . وهكذا قوله تعالى : * ( إن أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه ثلثه ) * إنما معناه في أدنى . وقوله تعالى * ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) * مع نهيه على لسان نبيه عن قيام أكثر من ثلث الليل ، بيان أن الثلثين قبل الإضافة إلى الكل ، لأنهم كانوا يهجعون قليلا وهو الثلثان . ويخرج أيضا على أن ما ههنا جحد محقق ، فيكون معناه : كانوا ما يهجعون قليلا من الليل وهو الثلث فأقل ، فيكون هذا أيضا حسنا موافقا لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الثلث ، وكلا القولين متفق ، لأنه إذا هجع الثلثين وقام الثلث ، فإن الثلثين قليل بالإضافة إلى الكل ، والثلث أيضا كذلك ، وبالله تعالى التوفيق . فإن اعترض معترض بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الثلث كثير .
قيل له صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الثلث كثير بالإضافة إلى ما هو أقل منه ، وهكذا كل عدد من العالم فألف ألف كثيرا بالإضافة إلى عشرة آلاف ، وألف ألف قليل بالإضافة إلى عشرة آلاف ألف .
قال علي : ونقدر أن الذي أقحم هؤلاء القوم في هذه الورطة ، تجويزهم للمحتبس س استثناء أقل من الثلث ، ولم يجوزوا له استثناء الأكثر من ذلك ، فقادهم الخطأ إلى ما هو أشد خطأ منه ، وإن أولى الناس بالتقنع إذا ذكر هذا الحديث الذي