دروس في البلاغة - الشيخ محمدي البامياني - الصفحة ٨٥ - أو كون الجملة الثّانية بدلا من الأولى
أو عجيبا (١) أو لطيفا (٢)] فتنزّل الثّانية من الأولى منزلة بدل البعض (٣) أو الاشتمال (٤) ، فالأوّل [نحو : (أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)[١] (٥)
(١) أي لكونه عجيبا ، فيعتنى به لإعجاب المخاطب قصدا لبيان غرابته ، وكونه أهلا لأن ينكر إن ادّعى نفيه ، أو أهلا لأن يتعجّب منه كما في قولك : قال زيد لي قولا قال : أنا أهزم الجند وحدي ، وهذا بناء على جريان بدل الكلّ في الجمل الّتي لا محلّ لها من الإعراب ، وكما إذا رأيت زيدا محتاجا ويتعفّف ، فتقول : زيد جمع بين أمرين يحتاج ويتعفّف ، ونحو قوله تعالى : (بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)[٢] فإنّ البعث والحياة بعد صيرورة العظام ترابا عجيب بل منكر عند من هو غافل عن قدرة الباري جلّت كبرياؤه ، وهذا المثال أيضا مثال بدل الكلّ والمثال العرفيّ نحو قولك : أعجبكم ما تعلمون من زيد ، أعجبكم مقادته الأسد ، إذا كان له أفعال عجيبة كثيرة يعرفها المخاطبون.
(٢) أي ظريفا مستحسنا فيقضى ذلك الاعتناء به كما قولك : أضحككم ما تعلمون من زيد أضحككم أنّه يصوت صوت حمار إذا كان له أفعال مضحكة كثيرة ، كأن يصوّت صوت ديك أو صوت كلب ، وهكذا ويعرفها المخاطبون.
(٣) أي في المفرد ، وإلّا فهي بدل حقيقة ، فلا معنى للتّنزيل.
(٤) أي تنزّل الثّانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال ، ويمكن أن يقال بأنّ ضابط بدل الاشتمال أن يكون المبدل منه مقتضيا لذكر البدل ، وهو غير موجود هنا.
وأجيب بأنّ هذا ضابط البدل في المفردات ، ومحلّ الكلام هو البدل في الجمل.
(٥) الشّاهد في قوله تعالى : (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ) الآية حيث هذه الجملة بمنزلة البعض عن الجملة الأولى أعني قوله تعالى : (أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ) فيكون مثالا للقسم الأوّل ، أي تنزيل الثّانية منزلة بدل البعض من الأولى ، فلهذا لم تعطف الثّانية على الأولى ، وذلك للاتّصال بين البدل والمبدل منه.
لا يقال : الكلام فيما لا محلّ له من الإعراب ، و (أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ) لها محلّ من الإعراب وهو النّصب لأنّها مفعول لقوله : (اتَّقُوا) قبله.
[١] سورة الشّعراء : ١٣٢ ـ ١٣٤.
[٢] سورة المؤمنون : ٨١ و ٨٢.