دروس في البلاغة - الشيخ محمدي البامياني - الصفحة ٢٤٤ - المقارنة بين قوله تعالى
مطّردا (١) إذ الاقتصاص مطلقا (٢) سبب للحياة بخلاف القتل (٣) فإنّه قد يكون أنفى للقتل كالّذي على وجه القصاص ، وقد يكون ادعى له كالقتل ظلما (٤). [وخلوّه (٥) عن التّكرار] بخلاف قولهم ، فإنّه (٦) يشتمل على تكرار القتل ولا يخفى أنّ الخالي عن التّكرار أفضل من المشتمل عليه (٧) وإن لم يكن (٨) مخلا بالفصاحة.
(١) أي عامّا لكلّ فرد من أفراده.
(٢) أي في كلّ وقت وكلّ فرد من أفراد النّاس سبب للحياة.
(٣) أي بخلاف القتل في قولهم : القتل أنفى للقتل ، فإنّه لا اطّراد فيه ، إذ ليس كلّ قتل أنفى للقتل ، بل تارة يكون أنفى له كالقتل قصاصا ، وتارة يكون أدعى له كالقتل ظلما ، وجعل كلامهم هذا غير مطّرد بالنّظر لظاهره ، وإن كان بحسب المراد منه وهو القتل قصاصا مساويا للآية في الاطّراد ، والحاصل إنّ ترجيح الآية على كلامهم بالاطّراد في الآية وعدمه في كلامهم بالنّظر لظاهر كلامهم ، وهذا كاف في التّرجيح.
لا يقال : إنّ الكلام في الفضل بحسب البلاغة وعدم الاطّراد ينافي الصّدق ولا ينافي البلاغة.
لأنّا نقول : إنّ الأولى حينئذ أن يرجّح قوله تعالى على قولهم بالنّص على المقصود من القتل ، فإنّ المراد من كلّ منهما القتل قصاصا والآية نصّ في هذا المراد بخلاف قولهم : إذ لفظ القتل ليس نصّا في القصاص.
(٤) حيث يقتل القاتل بسبب قتل الغير ظلما ، فيكون هذا النّوع من القتل أدعى للقتل.
(٥) أي خلوّ قوله تعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) عن التّكرار.
(٦) أي قولهم يشتمل على تكرار القتل.
(٧) أي الخالي عن التّكرار أفضل من المشتمل على التّكرار ، وذلك لأنّ التّكرار من حيث إنّه تكرار من عيوب الكلام.
(٨) أي وإن لم يكن التّكرار مخلا بالفصاحة ، لأنّ أصل الفصاحة مفروغ عنها ، وإنّما الكلام في الفضل والتّرجيح ، فما هو خال عن التّكرار أفضل على ما هو مشتمل عليه ، وإن كان فصيحا ، كترجيح الصّلاة في البيت على الصّلاة في الحمّام.
فإن قلت : في هذا التّكرار ردّ العجز على الصّدر ، وهو من المحسنات.
قلت : إنّ التّرجيح من جهة لا ينافي المرجوحيّة من جهة أخرى ، فكلامهم مشتمل على