دروس في البلاغة - الشيخ محمدي البامياني - الصفحة ١٩٢ - الجملة الحاليّة فعليّة وفعلها فعل ماض مثبت
أحدهما مع الواو (١) ، والآخر بدونه (٢) ، واقتصر في المنفي بلمّا على ما هو بالواو ، وكأنّه (٣) لم يطّلع على مثال ترك الواو ، إلّا أنّه (٤) مقتضى القياس ، فقال [وقوله : (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)[١] (٥) ،
(١) أي وهو (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) في المثال الآتى.
(٢) أي بدون الواو وهو (لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) في المثال الآتى.
(٣) أي كأنّ المصنّف لم يطّلع على مثال ترك الواو ، أي الاقتصار في النّفي بلمّا على مثاله بذكر الواو ، نشأ من عدم إطّلاع المصنّف على مثاله بتركها ، مع أنه مقتضى القياس.
(٤) أي ترك الواو مقتضى القياس ، فقوله : «إلّا أنّه ... ، جواب سؤال مقدّر وهو أن يقال : إذا لم يطّلع المصنّف على مثال ترك الواو ، فلماذا ادّعى فيه جواز ترك الواو ، ولم يقتصر على ادّعاء جواز تركها ، كما اقتصر على مثال ذكرها.
فأجاب بأنّ ادّعاء جواز تركها إنّما نشأ من اقتضاء القياس إيّاه وعدم الإطّلاع على مثاله لا يوجب عدم اقتضاء القياس حتّى يقتصر على ادّعاء جوازه ، كما اقتصر على مثاله ، فثبوت الاقتضاء دليل على ثبوت الادّعاء.
(٥) والشّاهد في قوله تعالى حكاية عن مريم : (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) حيث وقع موضع الحال مقترنا مع الواو ، فيكون هذا مثالا للمنفي بلم مع الواو.
لا يقال : إنّ عدم مساس البشر إيّاها لم ينتقل ، فكيف أورده ههنا مع أنّ الكلام في الأحوال المنتقلة.
لأنّا نقول : إنّ الحال المنتقلة هي الّتي تكون من الأعراض المفارقة ، ولا تكون من الصّفات اللّازمة ، وعدم المسّ المذكور من هذا القبيل إن لم ينفكّ عنها.
فإن قلت : عدم مسّ البشر ماض ، والعامل وهو يكون مستقبلا ، فلا مقارنة بين الحال وعاملها.
قلت : التّقدير كيف يكون لي غلام ، والحال إني أعلم حينئذ أنّي لم يمسسني بشر فيما مضى ، هكذا قيل ، ولكن يمكن أن يقال : إنّ قوله تعالى : (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) وإن كان ناطقا بعدم المسّ في الماضي إلّا أنّ هذا العدم يستمرّ إلى زمان تكوين الولد فتحصل المقارنة.
[١] سورة مريم : ٢٠.