بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٤٠ - فيمن نوى الإقامة في بلد عشرة أيام، وفي الذيل ما يناسب
فليتم الصلاة، فإن لم يدر ما يقيم أو أكثر، فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم وإن أقام يوما أو صلاة واحدة.
فقال له محمد بن مسلم: بلغني أنك قلت خمسا، قال: قد قلت ذلك، قال أبو أيوب فقلت أنا: جعلت فداك يكون أقل من خمسة أيام؟ قال: لا.
وأجيب عنه بنه غير دال على نية إقامة الخمسة صريحا، لاحتمال عود الإشارة إلى الكلام السابق، وهو الاتمام مع العشرة، ولا يخلو من بعد، وأوله الشيخ بوجهين:
أحدهما: أنه محمول على ما أما إذا كان بمكة أو المدينة للحسن كالصحيح [١] عن محمد بن مسلم قال: سألته عن المسافر يقدم الأرض فقال: إن حدثته نفسه أن يقيم عشرا فليتم وإن قال اليوم أخرج أو غدا أخرج، ولا يدري، فليقصر ما بينه وبين شهر، فان مضى شهر فليتم ولا يتم في أقل من عشرة إلا بمكة والمدينة، وإن أقام بمكة والمدينة خمسا فليتم.
وثانيهما استحباب الاتمام لناوي المقام خمسة أيام، ولا يخلو من وجه، و المناقشة بأن القصر عند الشيخ عزيمة فكيف يصير رخصة ضعيف، لأنه سد لباب القول بالتخيير بين الاتمام والقصر مطلقا مع ثبوت ذلك في مواضع لا يمكن إنكارها.
والأظهر عندي حمله على التقية، لان الشافعي وجماعة منهم قائلون بإقامة الأربعة، ولا يحسبون يوم الدخول ويوم الرحيل فيتحصل خمسة ملفقة، وسياق الخبر أيضا يدل عليها كما لا يخفى على الخبير.
وهل يشترط في العشرة التوالي بحيث لا يخرج بينها إلى محل الترخص أم لا؟
فيه وجهان: وقطع بالاشتراط الشهيد في البيان [٢] والشهيد الثاني في جملة من كتبه
[١] التهذيب ج ١ ص ٣١٦.
[٢] لا اعتبار بذلك أبدا، وذلك لان الشارع الأقدس جعل إقامة العشرة بمنزلة الإقامة الدائمية وضعا، ولازمه تسوية الحكم بين المقيمين والمتواطنين مطلقا في الظعن و الإقامة، فكما أن المتوطن في بلدة أما إذا حصل في رحله لا يضر بإقامته الخروج إلى ما دون المسافة، وإذا خرج إلى المسافة ثم رجع إلى رحله أتم من حين دخوله الرحل، فهكذا المقيم للعشرة ما دام لم يخرج إلى المسافة، فهو على اقامته، وإذا خرج إلى المسافة ثم رجع إلى محل إقامته ورحله أتم قضاء لحق الإقامة.
ينص على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه اتمام الصلاة، وهو بمنزلة أهل مكة، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، وعليه اتمام الصلاة أما إذا رجع إلى منى حتى ينفر.
فموضع النص هو قوله عليه السلام: (وهو بمنزلة أهل مكة) وذلك لان حكم الاتمام والإقامة، يثبت بقصد الإقامة، لا بعد الإقامة عشرة، وإنما شرط عليه السلام القدوم إلى مكة بعشرة أيام قبل التروية ليتحقق منه قصد الإقامة وهو واضح.
وقوله عليه السلام بعد ذلك (فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، شرح لهذه القاعدة من حيث شقه الثاني أعنى انشاء سفر جديد، فإنهم أما إذا خرجوا إلى منى عازما لعرفات، فعليهم التقصير لخروجه عن حد الترخص، وإذا جاؤوا لزيارة البيت ودخلوا رحالهم (على ما ستعرف الوجه في ذلك دراية ورواية) انقطع حكم السفر وكان على جميعهم الاتمام أما أهل مكة فإنها وطنهم واما قاصد الإقامة لاتحاد حكمه مع المتوطنين.
وقوله عليه السلام: (وعليه اتمام الصلاة أما إذا رجع إلى منى حتى ينفر) شرح لهذه القاعدة من حيث شقه الأول أعنى الخروج إلى ما دون المسافة وأنه لا يضر بقصد الإقامة، فإنهم بعد ما رجعوا إلى منى لرمي الجمرات، كانوا خارجين من مكة إلى ما دون المسافة وكان عليهم الاتمام، فان أنشأوا السير إلى بلادهم من منى حين النفر، قصروا سواء مروا في سيرهم ذلك إلى مكة أولم يمروا بها وإذا رجعوا إلى مكة ثم خرجوا منها إلى بلادهم قصروا منها، وهو واضح، وسيجئ تمام الكلام في هذا الحديث في الباب الآتي تحت الرقم ١٠ انشاء الله تعالى.
ومن فروع هذه القاعدة (اتحاد حكم المقيمين بالحكم الوضعي مع المتواطنين) الإقامة بعد ثلاثين مترددا، فإنها بمنزلة الإقامة الدائمية، كقصد العشرة من دون اختلاف فإذا عرض له حاجة إلى سفر لكنه لم يرتفع بعد حاجته عن محل إقامته تلك ولم يحصل على مراده من قصد البلدة هذه، فأبقى رحله في البلدة وأنشأ سفرا إلى بريدين ثم رجع إلى محل إقامته تلك قصر أيابا وذهابا وأتم في محل الإقامة كسائر المقيمين.
ينص على ذلك ما رواه الشيخ باسناده عن صفوان عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أهل مكة أما إذا زاروا، عليهم اتمام الصلاة؟ قال: المقيم بمكة إلى شهر بمنزلتهم.