بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ١٢٦ - تفسير الآيات، وفي الذيل ما يناسب ويتعلق بالمقام
المبالغة في الاتيان به، وعدم المساهلة فيه، كما أنه أما إذا قال المولى لعبده: امض إلى فلان يفهم منه الوجوب، وإذا قال اسع وعجل واهتم، كان آكد من الأول، و أدل على الوجوب، قال في مجمع البيان: أي فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متشاغلين عن قتادة وابن زيد والضحاك، وقال الزجاج: فامضوا إلى السعي الذي هو الاسراع وقرأ عبد الله بن مسعود (فامضوا إلى ذكر الله) وروي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه السلام وعمرو أبي وابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقال ابن مسعود: لو علمت الاسراع لأسرعت حتى يقع ردائي من كتفي، وقال الحسن:
ما هو السعي على الاقدام، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع [١].
وكل ذلك مما يؤكد الوجوب، فان المراد به شدة العزم والاهتمام، و إخلاص النية فيه، فإنه أقرب المجازات إلى السعي بالاقدام، بل هو مجاز شايع يعادل الحقيقة:
قال في الكشاف: قيل المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى: (ولما بلغ معه السعي) ﴿وأن ليس للانسان إلا ما سعى﴾ [٢]
[١] مجمع البيان ج ١٠ ص ٢٨٨.
[٢] الصافات: ١٠٩ النجم: ٤٠، ولكن المراد من السعي في الآية الأولى هو السعي بين الصفا والمروة قطعا، وذلك لان إبراهيم ص وابنه إسماعيل بعد ما فرغا من رفع قواعد البيت دعو الله عز وجل قالا: ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم... وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم (البقرة: ١٢٨).
فاستجاب الله دعاء هما فكان يرى إبراهيم مناسك البيت في منامه (على ما كان يريه الله عز وجل ملكوت السماوات والأرض) فيمتثل إبراهيم خليل الله نسكه ويتبعه في ذلك إسماعيل ولده حتى أما إذا بلغ مع السعي بين الصفا والمروة قال له إبراهيم: يا بنى انى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ما ذا ترى؟ وإنما ائتمر معه لان ذبحه قربانا ونسيكة إنما يتحقق بتسليمه.
فقد كان رؤية ذبحه إسماعيل تماما لمناسك الحج التي كان يراها في منامه، كما ينص عليه روايات الفريقين، ولا يناسب ذلك الا بأن يكون المراد بالسعي هو السعي بين الصفا والمروة، كما بيناه لك، ومن حمل السعي في الآية على غير ذلك من المعاني غير المناسبة يبقى عليه توجيه قوله تعالى (معه) فان الكلمة تصير لغوا لا فائدة في ذكرها أبدا.