جامع السعادات - النراقي، المولى محمد مهدي - الصفحة ٢٥٩ - فصل (عجائب المأکولات)
خلق اللّه- تعالی- لک الأعضاء التی تنظر إلی ظاهرها و لا تعرف أسرارها.
فمنها ما هو آلة للطلب، کالرجل للانسان، و الجناح للطیر، و القوائم للدواب. و منها ما هو آلة لدفع المؤذی و المانع من طلب الغذاء، کالقرن لبعض الحیوانات، و الانیاب لبعض أخر منها، و المخلب لبعض آخر منها، و الاسلحة للانسان القائمة مقام هذه الآلة. و منها ما هو آلة للأخذ و التناول کالیدین للانسان. ثم لهذه الأعضاء أسباب و حکم خارجة عن الحد و الحصر و قد تقدم قلیل من حکمها و عجائبها فی باب التفکر.
فصل (عجائب المأکولات)
عمدة ما یتوقف علیه الأکل و أصله و مناطه، هی الاغذیة و الأطعمة
المأکولة، و للّه- تعالی- فی خلقها عجائب کثیرة لا تحصی، و أسباب متوالیة
لا تتناهی. و الاغذیة و الادویة من الأطعمة لم یبلغ عددها من الکثرة حدا
یمکن احصاؤها و حصرها، فضلا عن بیان عجائبها و أسبابها، فنحن نترک الجمیع، و
تأخذ من جملتها حبة من الحنطة، و نبین بعض أسبابها و حکمها و عجائبها.
فنقول:
قد خلق اللّه فی حبة الحنطة من القوی ما یغتذی به کما خلق فیک.
فان النبات انما یفارقک فی الحس و الحرکة دون الاغتذاء، لانه یغتذی بالماء.
و لا نتعرض لذکر آلات النبات فی اجتذاب الغذاء إلی نفسه، بل نشیر إلی لمعة من کیفیة اغتذاء الحبة. فنقول:
ان الحبة لا تغتذی بکل شیء، بل یتوقف اغتذاؤها علی ارض فیها ماء.
و
لا بد ان تکون ارضها رخوة متخلخلة یتغلغل الهواء إلیها، فلو ترکتها فی ارض
ندیة صلبة متراکمة لم تنبت لفقد الهواء. ثم الهواء لا یتسرب إلیها