موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٣ - الجهة الثالثة جواز الرجوع إليه وتقليده فيما استنبطه من الأحكام
اعتبار أيّ معتبر وفرض فارض، وقد أطبقت كلماتهم{١}على
أن العقل قد يصيبها في إدراكه وقد يخطأ بلا فرق في ذلك بين أن يكون الأمر
الواقعي من قبيل الجواهر والأعراض كأكثر الموجودات الخارجية وأن يكون من
غيرهما، لأنّا بيّنا في محلّه أن الأُمور الواقعية قد تكون موجودة في
الخارج كالذوات الجوهرية والعرضية، وقد تكون ثابتة لا موجودة، وهذا كما في
الاستحالة والإمكان وغيرهما من الأُمور العقلية، حيث إن استحالة اجتماع
الضدين أو النقيضين ثابتة في الواقع ونفس الأمر من غير أن يتوقف على
الاعتبار، إلّا أنها ليست موجودة في الخارج كالجواهر والأعراض.
و كيف كان لا سبيل إلى القول بالتصويب في تلك الأُمور، لأنه يستلزم اجتماع
الضدين أو النقيضين، فإنه إذا بنى أحد على إمكان إعادة المعدوم مثلاً وبنى
آخر على استحالتها لا مناص من أن يكون أحد هذين النظرين خطأً وغير مطابق
للواقع، إذ لازم إصابتهما في كلتا النظرتين أن يكون إعادة المعدوم ممكنة
ومستحيلة، وهذا ما ذكرناه من لزوم اجتماع الضدين أو النقيضين المحال
فالتخطئة في تلك الأُمور مما لا كلام فيه.
و إنما الكلام في الأُمور الاعتبارية والشرعيات، وأنها كالاُمور الواقعية
مورد للتخطئة أو لا بدّ فيها من الالتزام بالتصويب؟ نسب القول بالتصويب إلى
جماعة من الأشاعرة والمعتزلة{٢}و أنهم ذهبوا إلى أن
{١}نعم، ذهب عبد اللََّه بن الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد مصيب في العقليات كما في الفروع. كذا في المستصفى ج ٢ ص٣٥٨ وكتاب الإحكام في أُصول الأحكام(للآمدي)ج ٤ ص٢٣٩.
{٢}ففي كتاب الإحكام في أصول
الأحكام(لابن حزم الأندلسي الظاهري)ج ٥ ص٧٠: ذهبت طائفة إلى أن كل مجتهد
مصيب وأن كل مفت محق في فتياه على تضاده.
و في الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ج ٤ ص٢٤٦: المسألة الظنية من الفقهيات
إما أن يكون فيها نص أو لا يكون، فإن لم يكن فيها نص فقد اختلفوا فيها
فقال قوم: كل مجتهد فيها مصيب وأن حكم اللََّه فيها لا يكون واحداً بل هو
تابع لظن المجتهد فحكم اللََّه في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده وغلب
على ظنه وهو قول القاضي أبي بكر وأبي الهذيل والجبائي وابنه. وقال آخرون:
المصيب فيها واحد ومن عداه مخطئ، لأن الحكم في كل واقعة لا يكون إلّا
معيناً لأن الطالب يستدعي مطلوباً وذلك المطلوب هو الأشبه عند اللََّه في
نفس الأمر.
و في فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت المطبوع بهامش المستصفى للغزالي ج ٢
ص٣٨٠: كل مجتهد في المسألة الاجتهادية أي فيما يسوغ فيه الاجتهاد مصيب عند
القاضي أبي بكر والشيخ الأشعري كما قال أهل العراق وقال أهل خراسان لم يثبت
عن الأشعري ونسب إلى الإمام حجة الإسلام الغزالي(قدّس سرّه)و المزني من
كبار أصحاب الشافعي رضي اللََّه عنه وغيرهما. ولا يذهب عليك ما في هذا
القول من الإشارة إلى ضعف هذه النسبة فلا تغفل.
و هؤلاء ظنّوا أن لا حكم للََّه تعالى في تلك الواقعات إلّا أنه إذا وصل
رأي المجتهد إلى أمر فهو الحكم عند اللََّه تعالى...إلى أن قال: وبعض منهم
قالوا الحكم من الأزل هو ما أدى إليه رأي المجتهد وعليه الجبائي من
المعتزلة ونسبته إلى جميع المعتزلة لم تصح، كيف والحسن أو القبح عندهم في
مرتبة الذات فما فيه حسن واقعي هو الواجب لا يمكن أن يكون محرماً وما فيه
القبح الواقعي فهو محرم لا غير ولا ينقلب الحسن والقبح الذاتيان، وإذا كان
كل مجتهد مصيباً فالحق عندهم متعدد فعلى كل من أدى اجتهاده إلى حكم فهو
الحكم، وإذا أدى رأي آخر إلى آخر فهو الحكم عليه...